فهرس الكتاب

الصفحة 2885 من 4314

و بالجملة قوله:"إني أنا ربك فاخلع نعليك"إلخ ، تنبيه لموسى على أن الموقف موقف الحضور ومقام المشافهة وقد خلى به وخصه من نفسه بمزيد العناية ، ولذا قيل: إني أنا ربك ، ولم يقل: أنا الله أو أنا رب العالمين ، ولذا أيضا لم يلزم من قوله ثانيا:"إني أنا الله"تكرار ، لأن الأول تخلية للمقام من الأغيار لإلقاء الوحي ، والثاني من الوحي.

وفي قوله:"نودي"حيث طوي ذكر الفاعل ولم يقل: ناديناه أو ناداه الله من اللطف ما لا يقدر بقدر ، وفيه تلويح أن ظهور هذه الآية لموسى كان على سبيل المفاجاة.

قوله تعالى:"و أنا اخترتك فاستمع لما يوحى"الاختيار مأخوذ من الخير ، وحقيقته أن يتردد أمر الفاعل مثلا بين أفعال يجب أن يرجح واحدا منها ليفعله فيميز ما هو خيرها ثم يبني على كونه خيرا من غيره فيفعله ، فبناؤه على كونه خيرا من غيره هو اختيار فالاختيار دائما لغاية هو غرض الفاعل من فعله.

فاختياره تعالى لموسى إنما هو لغاية إلهية وهي إعطاء النبوة والرسالة ويشهد بذلك قوله على سبيل التفريع على الاختيار"فاستمع لما يوحى"فقد تعلقت المشية الإلهية ببعث إنسان يتحمل النبوة والرسالة وكان موسى في علمه تعالى خيرا من غيره وأصلح لهذا الغرض فاختاره (عليه السلام) .

وقوله:"و أنا اخترتك"على ما يعطيه السياق من قبيل إصدار الأمر بنبوته ورسالته فهو إنشاء لا إخبار ، ولو كان إخبارا لقيل: وقد اخترتك لكنه إنشاء الاختيار للنبوة والرسالة بنفس هذه الكلمة ثم لما تحقق الاختيار بإنشائه فرع عليه الأمر بالاستماع للوحي المتضمن لنبوته ورسالته فقال:"فاستمع لما يوحى"والاستماع لما يوحى الإصغاء إليه.

قوله تعالى:"إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري"هذا هو الوحي الذي أمر (عليه السلام) بالاستماع له في إحدى عشرة آية تشتمل على النبوة والرسالة معا أما النبوة ففي هذه الآية والآيتين بعدها ، وأما الرسالة فتؤخذ من قوله"و ما تلك بيمينك يا موسى"وتنتهي في قوله:"اذهب إلى فرعون إنه طغى"وقد نص تعالى أنه كان رسولا نبيا معا في قوله:"و اذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا": مريم: 51.

وقد ذكر في الآيات الثلاث المشتملة على النبوة الركنان معا وهما ركن الاعتقاد وركن العمل ، وأصول الاعتقاد ثلاثة التوحيد والنبوة والمعاد وقد ذكر منها التوحيد والمعاد وطوي عن النبوة لأن الكلام مع النبي نفسه وأما ركن العمل فقد لخص على ما فيه من التفصيل في كلمة واحدة هي قوله:"فاعبدني"فتمت بذلك أصول الدين وفروعه في ثلاث آيات.

فقوله:"إنني أنا الله لا إله إلا أنا"عرف المسمى بالاسم بنفسه حيث قال: إنني أنا الله ولم يقل: إن الله هو أنا لأن مقتضى الحضور أن يعرف وصف الشيء بذاته لا ذاته بوصفه كما قال إخوة يوسف لما عرفوه:"إنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي"واسم الجلالة وإن كان علما للذات المتعالية لكنه يفيد معنى المسمى بالله إذ لا سبيل إلى الذات المقدسة فكأنه قيل: أنا الذي يسمى"الله"فالمتكلم حاضر مشهود والمسمى باسم"الله"كأنه مبهم أنه من هو؟ فقيل أنا ذاك على أن اسم الجلالة علم بالغلبة لا يخلو من أصل وصفي.

وقوله:"لا إله إلا أنا فاعبدني"كلمة التوحيد مرتبة على قوله:"إنني أنا الله"لفظا لترتبها عليه حقيقة فإنه إذا كان هو الذي منه يبدأ كل شيء وبه يقوم وإليه يرجع فلا ينبغي أن يخضع خضوع العبادة إلا له فهو الإله المعبود بالحق لا إله غيره ولذا فرع على ذلك الأمر بعبادته حيث قال:"فاعبدني".

وقوله:"و أقم الصلاة لذكري"خص الصلاة بالذكر - وهو من باب ذكر الخاص بعد العام اعتناء بشأنه - لأن الصلاة أفضل عمل يمثل به الخضوع العبودي ويتحقق بها ذكر الله سبحانه تحقق الروح بقالبه.

وعلى هذا المعنى فقوله:"لذكري"من إضافة المصدر إلى مفعوله واللام للتعليل وهو متعلق بأقم محصله أن: حقق ذكرك لي بالصلاة ، كما يقال: كل لتشبع واشرب لتروي وهذا هو المعنى السابق إلى الذهن من مثل هذا السياق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت