و قد تكاثرت الأقوال في قوله:"لذكري"فقيل: إنه متعلق بأقم كما تقدم وقيل: بالصلاة ، وقيل: بقوله:"فاعبدني"ثم اللام قيل: للتعليل ، وقيل للتوقيت والمعنى أقم الصلاة عند ذكري أو عند ذكرها إذا نسيتها أو فاتت منك فهي كاللام في قوله:"أقم الصلوة لدلوك الشمس": الإسراء: 78.
ثم الذكر قيل: المراد به الذكر اللفظي الذي تشتمل عليه الصلاة ، وقيل الذكر القلبي الذي يقارنها ويتحقق بها أو يترتب عليها ويحصل بها حصول المسبب عن سببه أو الذكر الذي قبلها ، وقيل: المراد الأعم من القلبي والقالبي.
ثم الإضافة قيل: إنها من إضافة المصدر إلى مفعوله ، وقيل: من إضافة المصدر إلى فاعله والمراد صل لأن أذكرك بالثناء والإثابة أو المراد صل لذكري إياها في الكتب السماوية وأمري بها.
وقيل: إنه يفيد قصر الإقامة في الذكر ، والمعنى: أقم الصلاة لغرض ذكري لا لغرض آخر غير ذكري كثواب ترجوه أو عقاب تخافه ، وقيل: لا قصر.
وقيل: إنه يفيد قصر المضاف في المضاف إليه ، والمراد: أقم الصلاة لذكري خاصة من غير أن ترائي بها أو تشوبها بذكر غيري ، وقيل: لا دلالة على ذلك من جهة اللفظ وإن كان حقا في نفسه.
وقيل: المراد بالذكر ذكر الصلاة أي أقم الصلاة عند تذكرها أو لأجل ذكرها والكلام على تقدير مضاف والأصل لذكر صلاتي أو على أن ذكر الصلاة سبب لذكر الله فأطلق المسبب وأريد به السبب إلى غير ذلك والوجوه الحاصلة بين غث وسمين.
والذي يسبق إلى الفهم هو ما قدمناه.
قوله تعالى:"إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى"تعليل لقوله في الآية السابقة:"فاعبدني"ولا يناقض ذلك كون"فاعبدني"متفرعا على كلمة التوحيد المذكورة قبله لأن وجوب عبادته تعالى وإن كان بحسب نفسه متفرعا على توحده لكنه لا يؤثر أثرا لو لا ثبوت يوم يجزى فيه الإنسان بما عمله ويتميز فيه المحسن من المسيء والمطيع من العاصي فيكون التشريع لغوا والأمر والنهي سدى لا أثر لهما ، ولذلك كانت مقضية قضاء حتما وتكرر في كلامه تعالى نفي الريب عنها.
وقوله:"أكاد أخفيها"ظاهر إطلاق الإخفاء أن المراد يقرب أن أخفيها وأكتمها فلا أخبر عنها أصلا حتى يكون وقوعها أبلغ في المباغتة وأشد في المفاجاة ولا تأتي إلا فجأة كما قال تعالى:"لا تأتيكم إلا بغتة": الأعراف: 187 ، أو يقرب أن لا أخبر بها حتى يتميز المخلصون من غيرهم فإن أكثر الناس إنما يعبدونه تعالى رجاء في ثوابه أو خوفا من عقابه جزاء للطاعة والمعصية ، وأصدق العمل ما كان لوجه الله لا طمعا في جنة أو خوفا من نار ولو أخفي وكتم يوم الجزاء تميز عند ذلك من يأتي بحقيقة العبادة من غيره.
وقيل: معنى أكاد أخفيها أقرب من أن أكتمها من نفسي وهو مبالغة في الكتمان إذا أراد أحدهم المبالغة في كتمان شيء ، قال: كدت أخفيه من نفسي أي فكيف أظهره لغيري؟ وعزي إلى الرواية.
وقوله:"لتجزى كل نفس بما تسعى"متعلق بقوله:"آتية"والمعنى واضح.
قوله تعالى:"فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى"الصد الصرف ، والردى الهلاك ، والضميران في"عنها"و"بها"للساعة ، ومعنى الصد عن الساعة الصرف عن ذكرها بما لها من الشأن وهو أنها يوم تجزى فيه كل نفس بما تسعى ، وكذا معنى عدم الإيمان بها هو الكفر بها بما لها من الشأن.
وقوله:"و اتبع هواه"كعطف التفسير بالنسبة إلى قوله:"من لا يؤمن بها"أي إن عدم الإيمان بها مصداق اتباع الهوى وإذ كان مع ذلك صالحا للتعليل أفاد الكلام علية الهوى لعدم الإيمان بها ، واستفيد من ذلك بالالتزام أن الإيمان بالساعة هو الحق المخالف للهوى والمنجي من الردى.
فمحصل معنى الآية أنه إذا كانت الساعة آتية والجزاء واقعا فلا يصرفنك عن الإيمان بها وذكرها بما لها من الشأن الذين اتبعوا أهواءهم فصاروا يكفرون بها ويعرضون عن عبادة ربهم فلا يصرفنك عنها حتى تنصرف فتهلك.
ولعل الإتيان في قوله:"و اتبع هواه"بصيغة الماضي مع كون المعطوف عليه بصيغة المضارع للتلويح إلى علية اتباع الهوى لعدم الإيمان.