فهرس الكتاب

الصفحة 2887 من 4314

قوله تعالى:"و ما تلك بيمينك يا موسى"شروع في وحي الرسالة وقد تم وحي النبوة في الآيات الثلاث الماضية والاستفهام للتقرير ، سئل (عليه السلام) عما في يده اليمنى وكانت عصاه ، ليسميها ويذكر أوصافها فيتبين أنها جماد لا حياة له حتى يأخذ تبديلها حية تسعى مكانه في نفسه (عليه السلام) .

والظاهر أن المشار إليه بقوله:"تلك"العودة أو الخشبة ، ولو لا ذلك لكان من حق الكلام أن يقال: وما ذلك بجعل المشار إليه هو الشيء لمكان التجاهل بكونها عصا وإلا لم يستقم الاستفهام كما في قوله:"فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر:"الأنعام: 78.

ويمكن أن تكون الإشارة بتلك إلى العصا لكن لا بداعي الاطلاع على اسمها وحقيقتها حتى يلغو الاستفهام بل بداعي أن يذكر ما لها من الأوصاف والخواص ويؤيده ما في كلام موسى (عليه السلام) من الإطناب بذكر نعوت العصا وخواصها فإنه لما سمع السؤال عما في يمينه وهي عصا لا يرتاب فيها فهم أن المطلوب ذكر أوصافها فأخذ يذكر اسمها ثم أوصافها وخواصها ، وهذه طريق معمولة فيما إذا سئل عن أمر واضح لا يتوقع الجهل به ومن هذا الباب يوجه قوله تعالى:"القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث": القارعة: 4 ، وقوله:"الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة:"الحاقة: 3.

قوله تعالى:"قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى"العصا معروفة وهي من المؤنثات السماعية ، والتوكي والاتكاء على العصا الاعتماد عليها ، والهش هو خبط ورق الشجرة وضربه بالعصا لتساقط على الغنم فيأكله ، والمآرب جمع مأربة مثلثة الراء وهي الحاجة ، والمراد بكون مآربه فيها تعلق حوائجه بها من حيث إنها وسيلة رفعها.

ومعنى الآية ظاهر.

وإطنابه (عليه السلام) بالإطالة في ذكر أوصاف العصا وخواصها قيل: لأن المقام وهو مقام المناجاة والمسارة مع المحبوب يقتضي ذلك لأن مكالمة المحبوب لذيذة ولذا ذكر أولا أنه عصاه ليرتب عليه منافعها العامة وهذه هي النكتة في ذكر أنها عصاه.

وقد قدمنا في ذيل الآية السابقة وجها آخر لهذا الاستفهام وجوابه وليس الكلام عليه من باب الإطناب وخاصة بالنظر إلى جمعه سائر منافعها في قوله:"و لي فيها مآرب أخرى".

قوله تعالى:"قال ألقها يا موسى - إلى قوله - سيرتها الأولى"السيرة الحالة والطريقة وهي في الأصل بناء نوع من السير كجلسة لنوع من الجلوس.

أمر سبحانه موسى أن يلقي عصاه عن يمينه وهو قوله:"قال ألقها يا موسى"فلما ألقى العصا صارت حية تتحرك بجد وجلادة وذلك أمر غير مترقب من جماد لا حياة له وهو قوله:"فألقاها فإذا هي حية تسعى"وقد عبر تعالى عن سعيها في موضع آخر من كلامه بقوله:"رآها تهتز كأنها جان": القصص: 31 ، وعبر عن الحية أيضا في موضع آخر بقوله:"فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين": الأعراف: 107 ، الشعراء: 32 والثعبان: الحية العظيمة.

وقوله:"قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها"أي حالتها"الأولى"وهي أنها عصا فيه دلالة على خوفه (عليه السلام) مما شاهده من حية ساعية وقد قصه تعالى في موضع آخر إذ قال:"فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف": القصص: 31 ، والخوف وهو الأخذ بمقدمات التحرز عن الشر غير الخشية التي هي تأثر القلب واضطرابه فإن الخشية رذيلة تنافي فضيلة الشجاعة بخلاف الخوف والأنبياء (عليهم السلام) يجوز عليهم الخوف دون الخشية كما قال الله تعالى:"الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله": الأحزاب: 39.

قوله تعالى:"و اضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى"الضم الجمع ، والجناح جناح الطائر واليد والعضد والإبط ولعل المراد به المعنى الأخير ليئول إلى قوله في موضع آخر:"أدخل يدك في جيبك"والسوء كل رداءة وقبح قيل: كني به في الآية عن البرص والمعنى أجمع يدك تحت إبطك أي أدخلها في جيبك تخرج بيضاء من غير برص أو حالة سيئة أخرى.

وقوله:"آية أخرى"حال من ضمير تخرج وفيه إشارة إلى أن صيرورة العصا حية آية أولى واليد البيضاء آية أخرى وقال تعالى في ذلك:"فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملإيه": القصص: 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت