فهرس الكتاب

الصفحة 2898 من 4314

و يظهر مما نقل من كلام فرعون إنه علم بتعريفهما أنهما معا داعيان شريكان في الدعوة غير أن موسى هو الأصل في القيام بها وهارون وزيره ولذا خاطب موسى وحده وسأل عن ربهما معا.

وقد وقع في كلمة الدعوة التي أمرا بأن يكلماه بها"إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك"إلخ ، لفظ"ربك"خطابا لفرعون مرتين وهو لا يرى لنفسه ربا بل يرى نفسه ربا لهما ولغيرهما كما قال في بعض كلامه المنقول منه:"أنا ربكم الأعلى:"النازعات: 24 ، وقال:"لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين": الشعراء: 29 ، فقوله:"فمن ربكما"- وكان الحري بالمقام أن يقول فمن ربي الذي تدعيانه ربا لي؟ أو ما يقرب من ذلك - يلوح إلى أنه يتغافل عن كونه سبحانه ربا له كأنه لم يسمع قولهما"ربك"ويسأل عن ربهما الذي هما رسولان من عنده.

وكان من المسلم المقطوع عند الأمم الوثنيين أن خالق الكل حقيقة هي أعلى من أن يقدر بقدر وأعظم من أن يحيط به عقل أو وهم فمن المستحيل أن يتوجه إليه بعبادة أو يتقرب إليه بقربان فلا يؤخذ إلها وربا بل الواجب التوجه إلى بعض مقربي خلقه بالعبادة والقربان ليقرب الإنسان من الله زلفى ويشفع له عنده فهؤلاء هم الآلهة والأرباب وليس الله سبحانه بإله ولا رب وإنما هو إله الآلهة ورب الأرباب فقول القائل: إن لي ربا إنما يعني به أحد الآلهة من دون الله وليس يعني به الله سبحانه ولا يفهم ذلك من كلامه في محاوراتهم.

فقول فرعون:"فمن ربكما"ليس إنكارا لوجود خالق الكل ولا إنكار أن يكون له إله كما يظهر من قوله:"و يذرك وآلهتك": الأعراف: 127 ، وإنما هو طلب منه للمعرفة بحال من اتخذاه إلها وربا من هو غيره؟ وهذا معنى ما تقدم أن فرعون يتغافل في قوله هذا عن دعوتهما إلى الله سبحانه وهما في أول الدعوة فهو يقدر ولو كتقدير المتجاهل أن موسى وأخاه يدعوانه إلى بعض الآلهة التي يتخذ فيما بينهم ربا من دون الله فيسأل عنه ، وقد كان من دأب الوثنيين التفنن في اتخاذ الآلهة يتخذ كل منهم من يهواه إلها وربما بدل إلها من إله فتلك طريقتهم وسيأتي قول الملإ:"و يذهبا بطريقتكم المثلى"نعم ، ربما تفوه عامتهم ببعض ما لا يوافق أصولهم كنسبة الخلق والتدبير إلى نفس الأصنام دون أربابها.

فمحصل مذهبهم أنهم ينزهون الله تعالى عن العبادة والتقرب وإنما يتقربون استشفاعا إليه ببعض خلقه كالملائكة والجن والقديسين من البشر ، وكان منهم الملوك العظام عند كثير منهم يرونهم مظاهر لعظمة اللاهوت فيعبدونهم في عرض سائر الآلهة والأرباب وكان لا يمنع ذلك الملك الرب أن يتخذ إلها من الآلهة فيعبده فيكون عابدا لربه معبودا لغيره من الرعية كما كان رب البيت يعبد في بيته عند الروم القديم وكان أكثرهم من الوثنية الصابئة ، فقد كان فرعون موسى ملكا متألها وهو يعبد الأصنام وهو الظاهر من خلال الآيات الكريمة.

ومن هنا يظهر ما في أقوال كثير من المفسرين في أمره قال في روح المعاني ،: ذهب بعضهم إلى أن فرعون كان عارفا بالله تعالى إلا أنه كان معاندا واستدلوا عليه بعدة من الآيات.

وبأن ملكه لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام أ لا ترى أن موسى (عليه السلام) لما هرب إلى مدين قال له شعيب (عليه السلام) : لا تخف نجوت من القوم الظالمين فكيف يعتقد أنه إله العالم؟ وبأنه كان عاقلا ضرورة أنه كان مكلفا وكل عاقل يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم ومن كان كذلك افتقر إلى مدبر فيكون قائلا بالمدبر.

ومن الناس من قال: إنه كان جاهلا بالله تعالى بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السماوات والأرض وما بينهما واختلفوا في كيفية جهله.

فيحتمل أنه كان دهريا نافيا للصانع أصلا ، ولعله كان يقول بعدم احتياج الممكن إلى مؤثر وأن وجود العالم اتفاقي كما نقل عن ذي مقراطيس وأتباعه.

ويحتمل أنه كان فلسفيا قائلا بالعلة الموجبة ويحتمل أنه كان من عبدة الكواكب ويحتمل أنه كان من عبدة الأصنام ، ويحتمل أنه كان من الحلولية المجسمة ، وأما دعاؤه لنفسه بالربوبية فبمعنى أنه يجب على من تحت يده طاعته والانقياد له وعدم الاشتغال بطاعة غيره.

انتهى بنحو من التلخيص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت