و أنت بالرجوع إلى حاق مذهب القوم تعرف أن شيئا من هذه الأقوال والمحتملات ولا ما استدلوا عليه لا يوافق واقع الأمر.
قوله تعالى:"قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى"سياق الآية - وهي واقعة في جواب سؤال فرعون:"فمن ربكما يا موسى"- يعطي أن"خلقه"بمعنى اسم المصدر والضمير للشيء فالمراد الوجود الخاص بالشيء.
والهداية إراءة الشيء الطريق الموصل إلى مطلوبه أو إيصاله إلى مطلوبه ويعود المعنيان في الحقيقة إلى معنى واحد وهو نوع من إيصال الشيء إلى مطلوبه إما بإيصاله إليه نفسه أو إلى طريقه الموصل إليه.
وقد أطلق الهداية من حيث المهدي والمهدي إليه ، ولم يسبق في الكلام إلا الشيء الذي أعطي خلقه فالظاهر أن المراد هداية كل شيء - المذكور قبلا - إلى مطلوبه ومطلوبه هو الغاية التي يرتبط بها وجوده وينتهي إليها والمطلوب هو مطلوبه من جهة خلقه الذي أعطيه ومعنى هدايته له إليها تسييره نحوها كل ذلك بمناسبة البعض للبعض.
فيئول المعنى إلى إلقائه الرابطة بين كل شيء بما جهز به في وجوده من القوى والآلات وبين آثاره التي تنتهي به إلى غاية وجوده فالجنين من الإنسان مثلا وهو نطفة مصورة بصورته مجهز في نفسه بقوى وأعضاء تناسب من الأفعال والآثار ما ينتهي به إلى الإنسان الكامل في نفسه وبدنه فقد أعطيت النطفة الإنسانية بما لها من الاستعداد خلقها الذي يخصها وهو الوجود الخاص بالإنسان ثم هديت وسيرت بما جهزت به من القوى والأعضاء نحو مطلوبها وهو غاية الوجود الإنساني والكمال الأخير الذي يختص به هذا النوع.
ومن هنا يظهر معنى عطف قوله:"هدى"على قوله:"أعطى كل شيء خلقه"بثم وأن المراد التأخر الرتبي فإن سير الشيء وحركته بعد وجوده رتبة وهذا التأخر في الموجودات الجسمانية تدريجي زماني بنحو.
وظهر أيضا أن المراد بالهداية الهداية العامة الشاملة لكل شيء دون الهداية الخاصة بالإنسان ، وذلك بتحليل الهداية الخاصة وتعميمها بإلقاء الخصوصيات فإن حقيقة هداية الإنسان بإراءته الطريق الموصل إلى المطلوب والطريق رابطة القاصد بمطلوبه فكل شيء جهز بما يربطه بشيء ويحركه نحوه فقد هدي إلى ذلك الشيء فكل شيء مهدي نحو كماله بما جهز به من تجهيز والله سبحانه هو الهادي.
فنظام الفعل والانفعال في الأشياء وإن شئت فقل: النظام الجزئي الخاص بكل شيء والنظام العام الجامع لجميع الأنظمة الجزئية من حيث ارتباط أجزائها وانتقال الأشياء من جزء منها إلى جزء مصداق هدايته تعالى وذلك بعناية أخرى مصداق لتدبيره ، ومعلوم أن التدبير ينتهي إلى الخلق بمعنى أن الذي ينتهي وينتسب إليه تدبير الأشياء هو الذي أوجد نفس الأشياء فكل وجود أو صفة وجود ينتهي إليه ويقوم به.
فقد تبين أن الكلام أعني قوله:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى"مشتمل على البرهان على كونه تعالى رب كل شيء لا رب غيره فإن خلقه الأشياء وإيجاده لها يستلزم ملكه لوجوداتها - لقيامها به - وملك تدبير أمرها.
وعند هذا يظهر أن الكلام على نظمه الطبيعي والسياق جار على مقتضى المقام فإن المقام مقام الدعوة إلى التوحيد وطاعة الرسول وقد أتى فرعون بعد استماع كلمة الدعوة بما حاصله التغافل عن كونه تعالى ربا له ، وحمل كلامهما على دعوتهما له إلى ربهما فسأل: من ربكما؟ فكان من الحري أن يجاب بأن ربنا هو رب العالمين ليشملهما وإياه وغيرهم جميعا فأجيب بما هو أبلغ من ذلك فقيل:"ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى"فأجيب بأنه رب كل شيء وأفيد مع ذلك البرهان على هذا المدعى ، ولو قيل: ربنا رب العالمين أفاد المدعى فحسب دون البرهان ، فافهم ذلك.
وإنما أثبت في الكلام الهداية دون التدبير مع كون موردهما متحدا كما تقدمت الإشارة إليه لأن المقام مقام الدعوة والهداية والهداية ، العامة أشد مناسبة له.
هذا هو الذي يرشد إليه التدبر في الآية الكريمة ، وبذلك يعلم حال سائر التفاسير التي أوردت للآية: كقول بعضهم: إن المراد بقوله:"خلقه"مثل خلقه وهو الزوج الذي يماثل الشيء ، والمعنى: الذي خلق لكل شيء زوجا ، فيكون في معنى قوله:"و من كل شيء خلقنا زوجين".