و قول بعضهم: إن المراد بكل شيء أنواع النعم وهو مفعول ثان لأعطى وبالخلق المخلوق وهو مفعول أول لأعطى ، والمعنى: الذي أعطى مخلوقاته كل شيء من النعم.
وقول بعضهم: إن المراد بالهداية الإرشاد والدلالة على وجوده تعالى ووحدته بلا شريك ، والمعنى: الذي أعطى كل شيء من الوجود ما يطلبه بلسان استعداده ثم أرشد ودل بذلك على وجود نفسه ووحدته.
والتأمل فيما مر يكفيك للتنبه على فساد هذه الوجوه فإنما هي معان بعيدة عن السياق وتقييدات للفظ الآية من غير مقيد.
قوله تعالى:"قال فما بال القرون الأولى"قيل: البال في الأصل بمعنى الفكر ومنه قولهم: خطر ببالي كذا ، ثم استعمل بمعنى الحال ، ولا يثنى ولا يجمع ، وقولهم: بآلات ، شاذ.
لما كان جواب موسى (عليه السلام) مشتملا على معنى الهداية العامة التي لا تتم في الإنسان إلا بنبوة ومعاد إذ لا يستقيم دين التوحيد إلا بحساب وجزاء يتميز به المحسن من المسيء ولا يتم ذلك إلا بتمييز ما يأمر تعالى به مما ينهى عنه وما يرتضيه مما يسخطه ، على أن كلمة الدعوة التي أمرا أن يؤدياها إلى فرعون مشتملة على الجزاء صريحا ففي آخرها:"إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى"والوثنيون منكرون لذلك عدل فرعون عن الكلام في الربوبية - وقد انقطع بما أجاب به موسى - إلى أمر المعاد والسؤال عنه بانيا على الاستبعاد.
فقوله:"فما بال القرون الأولى"أي ما حال الأمم والأجيال الإنسانية الماضية الذين ماتوا وفنوا لا خبر عنهم ولا أثر كيف يجزون بأعمالهم ولا عامل في الوجود ولا عمل وليسوا اليوم إلا أحاديث وأساطير؟ فالآية نظيرة ما نقل عن المشركين في قوله:"و قالوا ء إذا ضللنا في الأرض ء إنا لفي خلق جديد:"الم السجدة: 10 ، وظاهر الكلام أنه مبني على الاستبعاد من جهة انتفاء العلم بهم وبأعمالهم للموت والفوت كما يشهد به جواب موسى (عليه السلام) .
قوله تعالى:"قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى"أجاب (عليه السلام) عن سؤاله بإثبات علمه تعالى المطلق بتفاصيل تلك القرون الخالية فقال:"علمها عند ربي"فأطلق العلم بها فلا يفوته شيء من أشخاصهم وأعمالهم وجعلها عند الله فلا تغيب عنه ولا تفوته ، وقد قال تعالى:"و ما عند الله باق"ثم قيد ذلك بقوله:"في كتاب"- وكأنه حال من العلم - ليؤكد به أنه مثبت محفوظ من غير أن يتغير عن حاله وقد نكر الكتاب ليدل به على فخامة أمره من جهة سعة إحاطته ودقتها فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
فيئول معنى الكلام إلى أن جزاء القرون الأولى إنما يشكل لو جهل ولم يعلم بها لكنها معلومة لربي محفوظة عنده في كتاب لا يتطرق إليه خطأ ولا تغيير ولا غيبة وزوال.
وقوله:"لا يضل ربي ولا ينسى"نفي للجهل الابتدائي والجهل بعد العلم على ما نقل عن بعضهم ولكن الظاهر أن الجملة مسوقة لنفي الجهل بعد العلم بقسميه فإن الضلال هو قصد الغاية بسلوك سبيل لا يؤدي إليها بل إلى غيرها فيكون الضلال في العلم هو أخذ الشيء مكان غيره وإنما يتحقق ذلك بتغير المعلوم من حيث هو معلوم عما كانت عليه في العلم أولا ، والنسيان خروج الشيء من العلم بعد دخوله فيه فهما معا من الجهل بعد العلم ، ونفيه هو المناسب لإثبات العلم أولا فيفيد مجموع الآية أنه عالم بالقرون الأولى ولا سبيل إليه للجهل بعد العلم فيجازيهم على ما علم.
ومن هنا يظهر أن قوله:"لا يضل ربي ولا ينسى"من تمام بيان الآية كأنه دفع دخل مقدر كأنما قيل: إنها وإن علم بها يوما فهي اليوم باطلة الذوات معفوة الآثار لا يتميز شيء منها من شيء فأجيب بأن شيئا منها ومن آثارها وأعمالها لا يختلط عليه تعالى بتغير ضلال ولا يغيب عنه بنسيان ، ولذا أوردت الجملة مفصولة غير معطوفة.