فهرس الكتاب

الصفحة 2910 من 4314

و قوله:"فيحل عليكم غضبي"أي يجب غضبي ويلزم من حل الدين يحل من باب ضرب إذا وجب أداؤه ، والغضب من صفاته تعالى الفعلية مصداقه إرادته تعالى إصابة المكروه للعبد بتهيئة الأسباب لذلك عن معصية عصاها.

وقوله:"و من يحلل عليه غضبي فقد هوى"أي سقط من الهوي بمعنى السقوط وفسر بالهلاك.

قوله تعالى:"و إني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى"وعد بالرحمة المؤكدة عقيب الوعيد الشديد ولذا وصف نفسه بكثرة المغفرة فقال:"و إني لغفار"ولم يقل: وأنا غافر أو سأغفر.

والتوبة وهي الرجوع كما تكون عن المعصية إلى الطاعة كذلك تكون من الشرك إلى التوحيد ، والإيمان أيضا كما يكون بالله كذلك يكون بآيات الله من أنبيائه ورسله وكل حكم جاءوا به من عند الله تعالى ، وقد كثر استعمال الإيمان في القرآن في كل من المعنيين كما كثر استعمال التوبة في كل من المعنيين المذكورين وبنو إسرائيل كما تلبسوا بمعاصي فسقوا بها كذلك تلبسوا بالشرك كعبادة العجل وعلى هذا فلا موجب لصرف الكلام عن ظاهر إطلاقه في التوبة عن الشرك والمعصية جميعا والإيمان بالله وآياته وكذلك إطلاقه بالنسبة إلى التائبين والمؤمنين من بني إسرائيل وغيرهم وإن كان بنو إسرائيل مورد الخطاب فإن الصفات الإلهية كالمغفرة لا تختص بقوم دون قوم.

فمعنى الآية - والله أعلم - وإني لكثير المغفرة لكل إنسان تاب وآمن سواء تاب عن شرك أو عن معصية وسواء آمن بي أو بآياتي من رسلي ، أو ما جاءوا به من أحكامي بأن يندم على ما فعل ويعمل عملا صالحا بتبديل المخالفة والتمرد فيما عصى فيه بالطاعة فيه وهو المحقق لأصل معنى الرجوع من شيء وقد مر تفصيل القول فيه في تفسير قوله تعالى:"إنما التوبة على الله:"النساء: 17 ، في الجزء الرابع من الكتاب.

وأما قوله:"ثم اهتدى"فالاهتداء يقابل الضلال كما يشهد به قوله تعالى:"من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها": الإسراء: 15 ، وقوله:"لا يضركم من ضل إذا اهتديتم": المائدة: 105 ، فهل المراد أن لا يضل في نفس ما تاب فيه بأن يعود إلى المعصية ثانيا فيفيد أن التوبة عن ذنب إنما تنفع بالنسبة إلى ما اقترفه قبل التوبة ولا تكفي عنه لو عاد إليه ثانيا أو المراد أن لا يضل في غيره فيفيد أن المغفرة إنما تنفعه بالنسبة إلى المعصية التي تاب عنها وبعبارة أخرى إنما تنفعه نفعا تاما إذا لم يضل في غيره من الأعمال ، أو المراد ما يعم المعنيين؟.

ظاهر العطف بثم أن يكون المراد هو المعنى الأول فيفيد معنى الثبات والاستقامة على التوبة فيعود إلى اشتراط الإصلاح الذي هو مذكور في عدة من الآيات كقوله:"إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم:"آل عمران: 89 النور - 5.

لكن يبقى على الآية بهذا المعنى أمران: أحدهما نكتة التعبير بالغفار بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة فما معنى كثرة مغفرته تعالى لمن اقترف ذنبا واحدا ثم تاب؟ وثانيهما أن لازمها أن يكون من خالف حكما من أحكامه كافرا به وإن اعترف بأنه من عند الله وإنما يعصيه اتباعا للهوى لا ردا للحكم اللهم إلا أن يقال إن الآية لاشتمالها على قوله"تاب وآمن"إنما تشمل المشرك أو الراد لحكم من أحكام الله وهو كما ترى.

فيمكن أن يقال: إن المراد بالتوبة والإيمان التوبة من الشرك والإيمان بالله كما أن المعنيين هما المرادان في أغلب المواضع من كلامه التي ذكر التوبة والإيمان فيها معا ، وعلى هذا كان المراد من قوله:"و عمل صالحا"الطاعة لأحكامه تعالى بالائتمار لأوامره والانتهاء عن نواهيه ، ويكون معنى الآية أن من تاب من الشرك وآمن بالله وأتى بما كلف به من أحكامه فإني كثير المغفرة لسيئاته أغفر له زلة بعد زلة فتكثر المغفرة لكثرة مواردها.

وقد ذكر تعالى نظير المعنى وهو مغفرة السيئات في قوله:"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم:"النساء: 31.

فقوله:"و إني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا"ينطبق على آية النساء ويبقى فيه شرط زائد يقيد حكم المغفرة وهو مدلول قوله:"ثم اهتدى"وهو الاهتداء إلى الطريق ويظهر أن المغفرة إنما يسمح بها للمؤمن العامل بالصالحات إذا قصد ذلك من طريقه ودخل عليه من بابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت