فهرس الكتاب

الصفحة 2911 من 4314

و لا نجد في كلامه تعالى ما يقيد الإيمان بالله والعمل الصالح في تأثيره وقبوله عند الله إلا الإيمان بالرسول بمعنى التسليم له وطاعته في خطير الأمور ويسيرها وأخذ الدين عنه وسلوك الطريق التي يخطها واتباعه من غير استبداد وابتداع يئول إلى اتباع خطوات الشيطان وبالجملة ولايته على المؤمنين في دينهم ودنياهم فقد شرع الله تعالى ولايته وفرض طاعته وأوجب الأخذ عنه والتأسي به في آيات كثيرة جدا لا حاجة إلى إيرادها ولا مجال لاستقصائها فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

وكان جل بني إسرائيل على إيمانهم بالله سبحانه وتصديقهم رسالة موسى وهارون متوقفين في ولايتهما أو كالمتوقف كما هو صريح عامة قصصهم في كتاب الله ولعل هذا هو الوجه في وقوع الآية - وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى بعد نهيهم عن الطغيان وتخويفهم من غضب الله.

فقد تبين أن المراد بالاهتداء في الآية على ما يهدي إليه سائر الآيات هو الإيمان بالرسول باتباعه في أمر الدين والدنيا وبعبارة أخرى هو الاهتداء إلى ولايته.

وبذلك يظهر حال ما قيل في تفسير قوله:"ثم اهتدى"فقد قيل: الاهتداء لزوم الإيمان والاستمرار عليه ما دامت الحياة ، وقيل: أن لا يشك ثانيا في إيمانه ، وقيل: الأخذ بسنة النبي وعدم سلوك سبيل البدعة ، وقيل: الاهتداء هو أن يعلم أن لعمله ثوابا يجزى عليه ، وقيل: هو تطهير القلب من الأخلاق الذميمة ، وقيل: هو حفظ العقيدة من أن تخالف الحق في شيء فإن الاهتداء بهذا الوجه غير الإيمان وغير العمل ، والمطلوب على جميع هذه الأقوال تفسير الاهتداء بمعنى لا يرجع إلى الإيمان والعمل الصالح غير أن الذي ذكروه لا دليل على شيء من ذلك.

قوله تعالى:"و ما أعجلك عن قومك يا موسى - إلى قوله - لترضى"حكاية مكالمة وقعت بينه تعالى وبين موسى (عليه السلام) في ميعاد الطور الذي نزلت عليه فيه التوراة كما قص في سورة الأعراف تفصيلا.

وظاهر السياق أنه سؤال عن السبب الذي أوجب لموسى أن يستعجل عن قومه فيحضر ميعاد الطور قبلهم كأنه كان المترقب أن يحضروا الطور جميعا فتقدم عليهم موسى في الحضور وخلفهم فقيل له:"و ما أعجلك عن قومك يا موسى"فقال:"هم أولاء على أثري"أي إنهم لسائرون على أثري وسيلحقون بي عن قريب"و عجلت إليك رب لترضى"أي والسبب في عجلي هو أن أحصل رضاك يا رب.

والظاهر أن المراد بالقوم وقد ذكر أنهم على أثره هم السبعون رجلا الذين اختارهم لميقات ربه ، فإن ظاهر تخليفه هارون على قومه بعده وسائر جهات القصة وقوله بعد:"أ فطال عليكم العهد"أنه لم يكن من القصد أن يحضر بنو إسرائيل كلهم الطور.

وهذا الخطاب يمكن أن يخاطب به موسى (عليه السلام) في بدء حضوره في ميعاد الطور كما يمكن أن يخاطب في أواخر عهده به فإن السؤال عن العجل غير نفس العجل الذي يقارن المسير واللقاء وإذا لم يكن السؤال في بدء الورود والحضور استقام قوله بعد:"فإنا قد فتنا قومك من بعدك"إلخ ، بناء على أن الفتنة كانت بعد استبطائهم غيبة موسى على ما في الآثار ولا حاجة إلى تمحلاتهم في توجيه الآيات.

قوله تعالى:"قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري"الفتنة الامتحان والاختبار ونسبة الإضلال إلى السامري - وهو الذي سبك العجل وأخرجه لهم فعبدوه وضلوا - لأنه أحد أسبابه العاملة فيه.

والفاء في قوله:"فإنا قد فتنا قومك"للتعليل يعلل به ما يفهم من سابق الكلام فإن المفهوم من قول موسى:"هم أولاء على أثري"أن قومه على حسن حال لم يحدث فيهم ما يوجب قلقا فكأنه قيل: لا تكن واثقا على ما خلفتهم فيه فإنا قد فتناهم فضلوا.

وقوله:"قومك"من وضع الظاهر موضع المضمر ولعل المراد غير المراد به في الآية السابقة بأن يكون ما هاهنا عامة القوم وما هناك السبعون رجلا الذين اختارهم موسى للميقات.

قوله تعالى:"فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا - إلى قوله - فأخلفتم موعدي"الغضبان صفة مشبهة من الغضب ، وكذا الأسف من الأسف بفتحتين وهو الحزن وشدة الغضب ، والموعد الوعد ، وإخلافهم موعده هو تركهم ما وعدوه من حسن الخلافة بعده حتى يرجع إليهم ، ويؤيده قوله في موضع آخر:"بئسما خلفتموني من بعدي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت