و المعنى: فرجع موسى إلى قومه والحال أنه غضبان شديد الغضب - أو حزين - وأخذ يلومهم على ما فعلوا ، قال يا قوم أ لم يعدكم ربك وعدا حسنا - وهو أن ينزل عليهم التوراة فيها حكم الله وفي الأخذ بها سعادة دنياهم وأخراهم - أو وعده تعالى أن ينجيهم من عدوهم ويمكنهم في الأرض ويخصهم بنعمه العظام"أ فطال عليكم العهد"وهو مدة مفارقة موسى إياهم حتى يكونوا آيسين من رجوعه فيختل النظم بينهم"أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم"فطغوتم بالكفر به بعد الإيمان وعبدتم العجل"فأخلفتم موعدي"وتركتم ما وعدتموني من حسن الخلافة بعدي.
وربما قيل في معنى قوله:"فأخلفتم موعدي"بعض معان أخر: كقول بعضهم إن إخلافهم موعده أنه أمرهم أن يلحقوا به فتركوا المسير على أثره ، وقول بعضهم هو أنه أمرهم بطاعة هارون بعده إلى أن يرجع إليهم فخالفوه إلى غير ذلك.
قوله تعالى:"قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا"إلى آخر الآية الملك بالفتح فالسكون مصدر ملك يملك وكأن المراد بقولهم:"ما أخلفنا موعدك بملكنا"ما خالفناك ونحن نملك من أمرنا شيئا - كما قيل - ومن الممكن أن يكون المراد أنا لم نصرف في صوغ العجل شيئا من أموالنا حتى نكون قاصدين لهذا الأمر متعمدين فيه ولكن كنا حاملين لأثقال من حلي القوم فطرحناها فأخذها السامري وألقاها في النار فأخرج العجل.
والأوزار جمع وزر وهو الثقل ، والزينة الحلي كالعقد والقرط والسوار والقذف والإلقاء والنبذ متقاربة معناها الطرح والرمي.
ومعنى قوله:"و لكنا حملنا أوزارا"إلخ لكن كانت معنا أثقال من زينة القوم ولعل المراد به قوم فرعون - فطرحناها فكذلك ألقى السامري - ألقى ما طرحناها في النار أو ألقى ما عنده كما ألقينا ما عندنا مما حملنا - فأخرج العجل.
قوله تعالى:"فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي"في لفظ الإخراج دلالة على أن كيفية صنع العجل كانت خفية على الناس في غير مرأى منهم حتى فاجأهم بإظهاره وإراءته ، والجسد هو الجثة التي لا روح فيه فلا يطلق الجسد على ذي الروح البتة ، وفيه دليل على أن العجل لم يكن له روح ولا فيه شيء من الحياة ، والخوار بضم الخاء صوت العجل.
وربما أخذ قوله:"فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم"إلخ كلاما مستقلا إما من كلام الله سبحانه باختتام كلام القوم في قولهم:"فقذفناها"وإما من كلام القوم وعلى هذا فضمير"قالوا"لبعض القوم وضمير"فأخرج لهم"لبعض آخر كما هو ظاهر.
وضمير"نسي"قيل: لموسى والمعنى قالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي موسى إلهه هذا وهو هنا وذهب يطلبه في الطور وقيل: الضمير للسامري والمراد به نسيانه تعالى بعد ذكره والإيمان به أي نسي السامري ربه فأتى بما أتى وأضل القوم.
وظاهر قوله:"فقالوا هذا إلهكم وإله موسى"حيث نسب القول إلى الجمع أنه كان مع السامري في هذا الأمر من يساعده.
قوله تعالى:"أ فلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا"توبيخ لهم حيث عبدوه وهم يرون أنه لا يرجع قولا بأن يستجيب لمن يدعوه ، ولا يملك لهم ضرا فيدفعه عنهم ولا نفعا بأن يجلبه ويوصله إليهم ، ومن ضروريات عقولهم أن الرب يجب أن يستجيب لمن دعاه لدفع ضر أو لجلب نفع وأن يملك الضر والنفع لمربوبه.
قوله تعالى:"و لقد قال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري"تأكيد لتوبيخهم وزيادة تقرير لجرمهم ، والمعنى: أنهم مضافا إلى عدم تذكرهم بما تذكرهم به ضرورة عقولهم وعدم انتهائهم عن عبادة العجل إلى البصر والعقل لم يعتنوا بما قرعهم من طريق السمع أيضا ، فلقد قال لهم نبيهم هارون إنه فتنة فتنوا به وإن ربهم الرحمن عز اسمه وإن من الواجب عليهم أن يتبعوه ويطيعوا أمره.
فردوا على هارون قائلين: لن نبرح ولن نزال عليه عاكفين أي ملازمين لعبادته حتى يرجع إلينا موسى فنرى ما ذا يقول فيه وما ذا يأمرنا به.
قوله تعالى:"قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أ فعصيت أمري"رجع (عليه السلام) بعد تكليم القوم في أمر العجل إلى تكليم أخيه هارون إذ هو أحد المسئولين الثلاثة في هذه المحنة استخلفه عليهم وأوصاه حين كان يوادعه قائلا:"اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين".