و كأن قوله:"منعك"مضمن معنى دعاك أي ما دعاك ، إلى أن لا تتبعن مانعا لك عن الاتباع أو ما منعك داعيا لك إلى عدم اتباعي فهو نظير قوله:"قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك": الأعراف: 12.
والمعنى: قال موسى معاتبا لهارون: ما منعك عن اتباع طريقتي وهو منعهم عن الضلال والشدة في جنب الله أ فعصيت أمري أن تتبعني ولا تتبع سبيل المفسدين؟.
قوله تعالى:"قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي"إلخ ،"يا بن أم"أصله يا بن أمي وهي كلمة استرحام واسترآف قالها لإسكات غضب موسى ، ويظهر من قوله:"لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي"إنه أخذ بلحيته ورأسه غضبا ليضربه كما أخبر به في موضع آخر:"و أخذ برأس أخيه يجره إليه:"الأعراف: 150.
وقوله:"إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي"تعليل لمحذوف يدل عليه اللفظ ومحصله لو كنت مانعتهم عن عبادة العجل وقاومتهم بالغة ما بلغت لم يطعني إلا بعض القوم وأدى ذلك إلى تفرقهم فرقتين: مؤمن مطيع ، ومشرك عاص ، وكان في ذلك إفساد حال القوم بتبديل اتحادهم واتفاقهم الظاهر تفرقا واختلافا وربما انجر إلى قتال وقد كنت أمرتني بالإصلاح إذ قلت لي:"أصلح ولا تتبع سبيل المفسدين"فخشيت أن تقول حين رجعت وشاهدت ما فيه القوم من التفرق والتحزب: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي.
هذا ما اعتذر به هارون وقد عذره موسى ودعا له ولنفسه كما في سورة الأعراف بقوله:"رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين:"الأعراف: 151.
قوله تعالى:"قال فما خطبك يا سامري"رجوع منه (عليه السلام) بعد الفراغ من تكليم أخيه إلى تكليم السامري وهو أحد المسئولين الثلاثة وهو الذي أضل القوم.
والخطب: الأمر الخطير الذي يهمك ، يقول: ما هذا الأمر العظيم الذي جئت به؟.
قوله تعالى:"قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي"قال الراغب في المفردات ،: البصر يقال للجارحة الناظرة نحو قوله:"كلمح البصر""و إذ زاغت الأبصار"وللقوة التي فيها ، ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر نحو قوله:"فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"وقال:"ما زاغ البصر وما طغى"وجمع البصر أبصار وجمع البصيرة بصائر ، قال تعالى:"فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم"ولا يكاد يقال للجارحة: بصيرة ، ويقال من الأول: أبصرت ، ومن الثاني: أبصرته وبصرت به ، وقلما يقال في الحاسة بصرت إذا لم تضامه رؤية القلب.
انتهى.
وقوله:"فقبضت قبضة"قيل: إن القبضة مصدر بمعنى اسم المفعول وأورد عليه أن المصدر إذا استعمل كذلك لم تلحق به التاء ، يقال: هذه حلة نسج اليمن ، ولا يقال: نسجه اليمن ، فالمتعين حمله في الآية على أنه مفعول مطلق.
ورد بأن الممنوع لحوق التاء الدالة على التحديد والمرة لا على مجرد التأنيث كما هنا ، وفيه أن كون التاء هنا للتأنيث لا دليل عليه فهو مصادرة.
وقوله:"من أثر الرسول"الأثر شكل قدم المارة على الطريق بعد المرور ، والأصل في معناه ما بقي من الشيء بعده بوجه بحيث يدل عليه كالبناء أثر الباني والمصنوع أثر الصانع والعلم أثر العالم وهكذا ، ومن هذا القبيل أثر الأقدام على الأرض من المارة.
والرسول هو الذي يحمل رسالة وقد أطلق في القرآن على الرسول البشري الذي يحمل رسالة الله تعالى إلى الناس وأطلق بهذه اللفظة على جبريل ملك الوحي ، قال تعالى:"إنه لقول رسول كريم:"التكوير: 19 ، وكذا أطلق لجمع من الملائكة الرسل كقوله:"بلى ورسلنا لديهم يكتبون:"الزخرف: 80 ، وقال أيضا في الملائكة:"جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة": فاطر: 1.
والآية تتضمن جواب السامري عما سأله موسى (عليه السلام) بقوله:"فما خطبك يا سامري"وهو سؤال عن حقيقة ذاك الأمر العظيم الذي أتى به وما حمله على ذلك ، والسياق يشهد على أن قوله:"و كذلك سولت لي نفسي"جوابه عن السبب الذي دعاه إليه وحمله عليه وأن تسويل نفسه هو الباعث له إلى فعل ما فعل وأما بيان حقيقة ما صنع فهو الذي يشير إليه بقوله:"بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول"ولا نجد في كلامه تعالى في هذه القصة ولا فيما يرتبط بها في الجملة ما يوضح المراد منه ولذا اختلفوا في تفسيره.