قوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم إلى قوله: من القتل ، يقال ثقف ثقافة أي وجد وأدرك فمعنى الآية معنى قوله:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم:"التوبة - 6 ، والفتنة هو ما يقع به اختبار حال الشيء ، ولذلك يطلق على نفس الامتحان والابتلاء وعلى ما يلازمه غالبا وهو الشدة والعذاب على ما يستعقبه كالضلال والشرك ، وقد استعمل في القرآن الشريف في جميع هذه المعاني ، والمراد به في الآية الشرك بالله ورسوله بالزجر والعذاب كما كان يفعله المشركون بمكة بالمؤمنين بعد هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبلها.
فالمعنى شددوا على المشركين بمكة كل التشديد بقتلهم حيث وجدوا حتى ينجر ذلك إلى خروجهم من ديارهم وجلائهم من أرضهم كما فعلوا بكم ذلك ، وما فعلوه أشد فإن ذلك منهم كان فتنة والفتنة أشد من القتل لأن في القتل انقطاع الحياة الدنيا ، وفي الفتنة انقطاع الحياتين وانهدام الدارين.
قوله تعالى: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه"إلخ"، فيه نهي عن القتال عند المسجد الحرام حفظا لحرمته ما حفظوه ، والضمير في قوله: فيه راجع إلى المكان المدلول عليه بقوله عند المسجد.
قوله تعالى: فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ، الانتهاء الامتناع والكف ، والمراد به الانتهاء عن مطلق القتال عند المسجد الحرام دون الانتهاء عن مطلق القتال بطاعة الدين وقبول الإسلام فإن ذلك هو المراد بقوله ثانيا: فإن انتهوا فلا عدوان ، وأما هذا الانتهاء فهو قيد راجع إلى أقرب الجمل إليه وهو قوله: ولا تقاتلوهم عند المسجد ، وعلى هذا فكل من الجملتين أعني قوله تعالى: فإن انتهوا فإن الله ، وقوله تعالى: فإن انتهوا فلا عدوان ، قيد لما يتصل به من الكلام من غير تكرار.
وفي قوله تعالى: فإن الله غفور رحيم ، وضع السبب موضع المسبب إعطاء لعلة الحكم ، والمعنى فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم.
قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ، تحديد لأمد القتال كما مر ذكره ، والفتنة في لسان هذه الآيات هو الشرك باتخاذ الأصنام كما كان يفعله ويكره عليه المشركون بمكة ، ويدل عليه قوله تعالى: ويكون الدين لله ، والآية نظيرة لقوله تعالى:"و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة وإن تولوا فاعلموا أن الله موليكم نعم المولى ونعم النصير:"الأنفال - 40 ، وفي الآية دلالة على وجوب الدعوة قبل القتال فإن قبلت فلا قتال وإن ردت فلا ولاية إلا لله ونعم المولى ونعم النصير ، ينصر عباده المؤمنين ، ومن المعلوم أن القتال إنما هو ليكون الدين لله ، ولا معنى لقتال هذا شأنه وغايته إلا عن دعوة إلى الدين الحق وهو الدين الذي يستقر على التوحيد.
ويظهر من هذا الذي ذكرناه أن هذه الآية ليست بمنسوخة بقوله تعالى:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون:"التوبة - 30 ، بناء على أن دينهم لله سبحانه وتعالى ، وذلك أن الآية أعني قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، خاصة بالمشركين غير شاملة لأهل الكتاب ، فالمراد ، بكون الدين لله سبحانه وتعالى هو أن لا يعبد الأصنام ويقر بالتوحيد ، وأهل الكتاب مقرون به ، وإن كان ذلك كفرا منهم بالله بحسب الحقيقة كما قال تعالى: إنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ، لكن الإسلام قنع منهم بمجرد التوحيد ، وإنما أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية لإعلاء كلمة الحق على كلمتهم وإظهار الإسلام على الدين كله.
قوله تعالى: فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ، أي فإن انتهوا عن الفتنة وآمنوا بما آمنتم به فلا تقاتلوهم فلا عدوان إلا على الظالمين ، فهو من وضع السبب موضع المسبب كما مر نظيره في قوله تعالى: فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم الآية ، فالآية كقوله تعالى:"فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين:"التوبة - 12.