فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 4314

قوله تعالى: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ، الحرمات جمع حرمة وهي ما يحرم هتكه ويجب تعظيمه ورعاية جانبه ، والحرمات: حرمة الشهر الحرام وحرمة الحرم وحرمة المسجد الحرام ، والمعنى أنهم لو هتكوا حرمة الشهر الحرام بالقتال فيه ، وقد هتكوا حين صدوا النبي وأصحابه عن الحج عام الحديبية ورموهم بالسهام والحجارة جاز للمؤمنين أن يقاتلوهم فيه وليس بهتك ، فإنما يجاهدون في سبيل الله ويمتثلون أمره في إعلاء كلمته ولو هتكوا حرمة الحرم والمسجد الحرام بالقتال فيه وعنده جاز للمؤمنين معاملتهم بالمثل ، فقوله: الشهر الحرام بالشهر الحرام بيان خاص عقب ببيان عام يشمل جميع الحرمات وأعم من هذا البيان العام قوله تعالى عقيبه: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ، فالمعنى أن الله سبحانه إنما شرع القصاص في الشهر الحرام لأنه شرع القصاص في جميع الحرمات وإنما شرع القصاص في الحرمات لأنه شرع جواز الاعتداء بالمثل.

ثم ندبهم إلى ملازمة طريقة الاحتياط في الاعتداء لأن فيه استعمالا للشدة والبأس والسطوة وسائر القوى الداعية إلى الطغيان والانحراف عن جادة الاعتدال والله سبحانه وتعالى لا يحب المعتدين ، وهم أحوج إلى محبة الله تعالى وولايته ونصره فقال تعالى: واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين.

وأما أمره تعالى بالاعتداء مع أنه لا يحب المعتدين فإن الاعتداء مذموم إذا لم يكن في مقابلة اعتداء وأما إذا كان في مقابلة الاعتداء فليس إلا تعاليا عن ذل الهوان وارتقاء عن حضيض الاستعباد والظلم والضيم ، كالتكبر مع المتكبر ، والجهر بالسوء لمن ظلم.

قوله تعالى: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، أمر بإنفاق المال لإقامة القتال في سبيل الله والكلام في تقييد الإنفاق هاهنا بكونه في سبيل الله نظير تقييد القتال في أول الآيات بكونه في سبيل الله ، كما مر ، والباء في قوله: بأيديكم زائدة للتأكيد ، والمعنى: ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة كناية عن النهي عن إبطال القوة والاستطاعة والقدرة فإن اليد مظهر لذلك ، وربما يقال: إن الباء للسببية ومفعول لا تلقوا محذوف ، والمعنى: لا تلقوا أنفسكم بأيدي أنفسكم إلى التهلكة ، والتهلكة والهلاك واحد وهو مصير الإنسان بحيث لا يدري أين هو ، وهو على وزن تفعلة بضم العين ليس في اللغة مصدر على هذا الوزن غيره.

والكلام مطلق أريد به النهي عن كل ما يوجب الهلاك من إفراط وتفريط كما أن البخل والإمساك عن إنفاق المال عند القتال يوجب بطلان القوة وذهاب القدرة ، وفيه هلاك العدة بظهور العدو عليهم ، وكما أن التبذير بإنفاق جميع المال يوجب الفقر والمسكنة المؤديين إلى انحطاط الحياة وبطلان المروة.

ثم ختم سبحانه وتعالى الكلام بالإحسان فقال: وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ، وليس المراد بالإحسان الكف عن القتال أو الرأفة في قتل أعداء الدين وما يشبههما بل الإحسان هو الإتيان بالفعل على وجه حسن بالقتال في مورد القتال ، والكف في مورد الكف ، والشدة في مورد الشدة ، والعفو في مورد العفو ، فدفع الظالم بما يستحقه إحسان على الإنسانية باستيفاء حقها المشروع لها ، ودفاع عن الدين المصلح لشأنها كما أن الكف عن التجاوز في استيفاء الحق المشروع بما لا ينبغي إحسان آخر ، ومحبة الله سبحانه وتعالى هو الغرض الأقصى من الدين ، وهو الواجب على كل متدين بالدين أن يجلبها من ربه بالإتباع ، قال تعالى:"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله:"آل عمران - 31 ، وقد بدأت الآيات الشريفة وهي آيات القتال بالنهي عن الاعتداء وإن الله لا يحب المعتدين وختمت بالأمر بالإحسان وإن الله يحب المحسنين ، وفي ذلك من وجوه الحلاوة ما لا يخفى.

الجهاد الذي يأمر به القرآن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت