فهرس الكتاب

الصفحة 2935 من 4314

فالناس آمنون من الهلاك وعذاب الاستئصال على إسرافهم وكفرهم ما بين استقرارهم في الأرض وأجلهم المسمى إلا أن يجيئهم رسول فيقضي بينهم ، قال تعالى: ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون:"يونس: 47 وإليه يرجع عذاب الاستئصال عن الآيات المقترحة إذا لم يؤمن بها بعد ما جاءت وهذه الأمة حالهم حال سائر الأمم في الأمن من عذاب الاستئصال بوعد سابق من الله ، وأما القضاء بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أخره الله إلى أمد كما تقدم استفادته من قوله:"و لكل أمة رسول"الآية من سورة يونس."

واحتمل بعضهم أن يكون المراد بالكلمة وعدا خاصا بهذه الأمة بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة وقد مر في تفسير سورة يونس أن ظاهر الآيات خلافه نعم يدل كلامه تعالى على تأخيره إلى أمد كما تقدم.

ونظيره في الفساد قول الآخرين إن المراد بالكلمة قضاء عذاب أهل بدر منهم بالسيف والأجل المسمى لباقي كفار مكة وهو كما ترى.

وقوله:"و أجل مسمى"قد تقدم في تفسير أول سورة الأنعام أن الأجل المسمى هو الأجل المعين بالتسمية الذي لا يتخطا ولا يتخلف كما قال تعالى:"ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون:"الحجر: 5 ، وذكر بعضهم أن المراد بالأجل المسمى يوم القيامة ، وقال آخرون إن الأجل المسمى هو الكلمة التي سبقت من الله فيكون عطف الأجل على الكلمة من عطف التفسير ، ولا معول على القولين لعدم الدليل.

فمحصل معنى الآية أنه لو لا أن الكلمة التي سبقت من ربك - وفي إضافة الرب إلى ضمير الخطاب إعزاز وتأييد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - تقضي بتأخير عذابهم والأجل المسمى يعين وقته في ظرف التأخير لكان الهلاك ملازما لهم بمجرد الإسراف والكفر.

ومن هنا يظهر أن مجموع الكلمة التي سبقت والأجل المسمى سبب واحد تام لتأخير العذاب عنهم لا أن كل واحد منهما سبب مستقل في ذلك كما اختاره كثير منهم.

قوله تعالى:"فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"إلخ ، يأمره بالصبر على ما يقولون ويفرعه على ما تقدم كأنه قيل: إذا كان من قضاء الله أن يؤخر عذابهم ولا يعاجلهم بالانتقام على ما يقولون فلا يبقى لك إلا أن تصبر راضيا على ما قضاه الله من الأمر وتنزهه عما يقولونه من كلمة الشرك ويواجهونك به من السوء ، وتحمده على ما تواجهه من آثار قضائه فليس إلا الجميل فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك لعلك ترضى.

وقوله:"و سبح بحمد ربك"أي نزهه متلبسا بحمده والثناء عليه فإن هذه الحوادث التي يشق تحملها والصبر عليها لها نسبة إلى فواعلها وليست إلا سيئة يجب تنزيهه تعالى عنها ولها نسبة بالإذن إليه تعالى وهي بهذه النسبة جميلة لا يترتب عليها إلا مصالح عامة يصلح بها النظام الكوني ينبغي أن يحمد الله ويثني عليه بها.

وقوله:"قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"ظرفان متعلقان بقوله:"و سبح بحمد ربك".

وقوله:"و من آناء الليل فسبح"الجملة نظيرة قوله:"و إياي فارهبون:"البقرة: 40 ، والآناء على أفعال جمع إني أو إنو بكسر الهمزة بمعنى الوقت و"من"للتبعيض والجار والمجرور متعلق بقوله:"فسبح"دال على ظرف في معناه متعلق بالفعل والتقدير وبعض آناء الليل سبح فيها.

وقوله:"و أطراف النهار"منصوب بنزع الخافض على ما ذكروا معطوف على قوله:"و من آناء"والتقدير وسبح في أطراف النهار وهل المراد بأطراف النهار ما قبل طلوع الشمس وما قبل غروبها ، أو غير ذلك؟ اختلفت فيه كلمات المفسرين وسنشير إليه.

وما ذكر في الآية من التسبيح مطلق لا دلالة فيها من جهة اللفظ على أن المراد به الفرائض اليومية من الصلوات وإليه مال بعض المفسرين لكن أصر أكثرهم على أن المراد بالتسبيح الصلاة تبعا لما روي عن بعض القدماء كقتادة وغيره.

قالوا: إن مجموع الآية يدل على الأمر بالصلوات الخمس اليومية فقوله:"قبل طلوع الشمس"صلاة الصبح ، وقوله:"و قبل غروبها"صلاة العصر وقوله:"و من آناء الليل"صلاتا المغرب والعشاء ، وقوله:"و أطراف النهار"صلاة الظهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت