و لا ضير في اشتمال الآية على أربع من الصلوات الخمس اليومية فإن السورة - كما سنشير إليه - من أوائل السور النازلة بمكة وقد دلت الأخبار المستفيضة التي رواها العامة والخاصة أن الفرائض اليومية إنما شرعت خمسا في المعراج كما ذكرت في سورة الإسراء النازلة بعد المعراج خمسا في قوله:"أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر:"الإسراء: 78 ، فلعل التي شرعت من الفرائض اليومية حين نزول سورة طه وكذا سورة هود - وهما قبل سورة الإسراء نزولا - كانت هي الأربع ولم تكن شرعت صلاة الظهر بعد بل هو ظاهر الآيتين: آية طه وآية هود.
ومعلوم أنه لا يرد على هذا الوجه ما كان يرد على القول بكون المراد بالتسبيح الصلوات الخمس وانطباق أطراف النهار على وقت صلاة الظهر وهو وسط النهار.
هذا.
وقوله:"لعلك ترضى"السياق السابق وقد ذكر فيه إعراضهم عن ذكر ربهم ونسيانهم آياته وإسرافهم في أمرهم وعدم إيمانهم ثم ذكر تأخير الانتقام منهم وأمره بالصبر والتسبيح والتحميد يقضي أن يكون المراد بالرضا الرضا بقضاء الله وقدره ، والمعنى: فاصبر وسبح بحمد ربك ليحصل لك الرضا بما قضى الله سبحانه فيعود إلى مثل معنى قوله:"و استعينوا بالصبر والصلاة".
والوجه فيه أن تكرار ذكره تعالى بتنزيه فعله عن النقص والشين وذكره بالثناء الجميل والمداومة على ذلك يوجب أنس النفس به وزيادته وزيادة الأنس بجمال فعله ونزاهته توجب رسوخه فيها وظهوره في نظرها وزوال الخطورات المشوشة للإدراك والفكر ، والنفس مجبولة على الرضا بما تحبه ولا تحب غير الجميل المنزه عن القبح والشين فإدامة ذكره بالتسبيح والتحميد تورث الرضا بقضائه.
وقيل: المراد لعلك ترضى بالشفاعة والدرجة الرفيعة عند الله.
وقيل: لعلك ترضى بجميع ما وعدك الله به من النصر وإعزاز الدين في الدنيا والشفاعة والجنة في الآخرة.
قوله تعالى:"و لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه"إلخ ، مد العين مد نظرها وإطالته ففيه مجاز عقلي ثم مد النظر وإطالته إلى شيء كناية عن التعلق به وحبه والمراد بالأزواج - كما قيل - الأصناف من الكفار أو الأزواج من النساء والرجال منهم ويرجع إلى البيوتات وتنكير الأزواج للتقليل وإظهار أنهم لا يعبأ بهم.
وقوله:"زهرة الحياة الدنيا"بمنزلة التفسير لقوله:"ما متعنا به"وهو منصوب بفعل مقدر والتقدير نعني به - أو جعلنا لهم - زهرة الحياة الدنيا وهي زينتها وبهجتها ، والفتنة الامتحان والاختبار ، وقيل: المراد بها العذاب لأن كثرة الأموال والأولاد نوع عذاب من الله لهم كما قال:"و لا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون": التوبة: 85.
وقوله:"و رزق ربك خير وأبقى"المراد به بقرينة مقابلته لما متعوا به من زهرة الحياة الدنيا هو رزق الآخرة وهو خير وأبقى.
والمعنى: لا تطل النظر إلى زينة الحياة الدنيا وبهجتها التي متعنا بها أصنافا أو أزواجا معدودة منهم لنمتحنهم فيما متعنا به ، والذي سيرزقك ربك في الآخرة خير وأبقى.
قوله تعالى:"و أمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى"الآية ذات سياق يلتئم بسياق سائر آيات السورة فهي مكية كسائرها على أنا لم نظفر بمن يستثنيها ويعدها مدنية ، وعلى هذا فالمراد بقوله"أهلك"بحسب انطباقه على وقت النزول خديجة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) وكان من أهله وفي بيته أو هما وبعض بنات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فقول بعضهم: إن المراد به أزواجه وبناته وصهره علي ، وقول آخرين: المراد به أزواجه وبناته وأقرباؤه من بني هاشم والمطلب ، وقول آخرين: جميع متبعيه من أمته غير سديد ، نعم لا بأس بالقول الأول من حيث جري الآية وانطباقها لا من حيث مورد النزول فإن الآية مكية ولم يكن له (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة من الأزواج غير خديجة (عليها السلام) .