و فيه أن ستر النقص إنما هو للخوف من اللائمة عليه وإنما يخاف من لا يخلو من سمة العجز لا من هو على كل شيء قدير فإذ رفع نقصا باللهو فليرفع آخر بما يناسبه ، على أنه إن امتنع عليه إظهاره لكونه نقصا فامتناع أصله عليه لكونه نقصا أقدم من امتناع الإظهار فيئول المعنى إلى أنا لو فعلنا هذا المحال لسترناه عنكم لأن إظهاره محال وهو كما ترى.
ومنها قول بعضهم إن المراد باللهو المرأة والولد والعرب تسمي المرأة لهوا والولد لهوا لأن المرأة والولد يستروح بهما واللهو ما يروح النفس ، فالمعنى: لو أردنا أن نتخذ صاحبة وولدا - أو أحدهما - لاتخذناه من المقربين عندنا فهو كقوله:"لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء".
وقيل: لاتخذناه من المجردات العالية لا من الأجسام والجسمانيات السافلة ، وقيل: لاتخذناه من الحور العين ، وكيف كان فهو رد على مثل النصارى المثبتين للصاحبة والولد وهما مريم والمسيح (عليه السلام) .
وفيه أنه إن صح من حيث اللفظ استلزم انقطاع الكلام عن السياق السابق.
ومنها ما عن بعضهم أن المراد بقوله:"من لدنا"من جهتنا ، ومعنى الآية: لو أردنا اتخاذ لهو لكان اتخاذ لهو من جهتنا أي لهوا إلهيا أي حكمة اتخذتموها لهوا من جهتكم وهذا عين الجد والحكمة فهو في معنى لو أردناه لامتنع ومحصله أن جهته تعالى لا تقبل إلا الجد والحكمة فلو أراد لهوا صار جدا وحكمة أي يستحيل إرادة اللهو منه تعالى.
وفيه أنه وإن كان معنى صحيحا في نفسه غير خال من الدقة لكنه غير مفهوم من لفظ الآية كما هو ظاهر.
وقوله:"إن كنا فاعلين"الظاهر أن"إن"شرطية كما تقدمت الإشارة إليه ، وعلى هذا فجزاؤه محذوف يدل عليه قوله:"لاتخذناه من لدنا"وقال بعضهم: إن"إن"نافية والجملة نتيجة البيان السابق ، وعن بعضهم أن إن النافية لا تفارق غالبا اللام الفارقة ، وقد ظهر مما تقدم من معنى الآية أن كون إن شرطية أبلغ بحسب المقام من كونها نافية.
قوله تعالى:"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون"القذف الرمي البعيد ، والدمغ - على ما في مجمع البيان ، - شج الرأس حتى يبلغ الدماغ ، يقال: دمغه يدمغه إذا أصاب دماغه ، وزهوق النفس تلفها وهلاكها ، يقال: زهق الشيء يزهق أي هلك.
والحق والباطل مفهومان متقابلان ، فالحق هو الثابت العين ، والباطل ما ليس له عين ثابتة لكنه يتشبه بالحق تشبها فيظن أنه هو حتى إذا تعارضا بقي الحق وزهق الباطل كالماء الذي هو حقيقة من الحقائق ، والسراب الذي ليس بالماء حقيقة لكنه يتشبه به في نظر الناظر فيحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
وقد عد سبحانه في كلامه أمثلة كثيرة من الحق والباطل فعد الاعتقادات المطابقة للواقع من الحق وما ليس كذلك من الباطل وعد الحياة الآخرة حقا والحياة الدنيا بجميع ما يراه الإنسان لنفسه فيها ويسعى له سعيه من ملك ومال وجاه وأولاد وأعوان ونحو ذلك باطلا وعد ذاته المتعالية حقا وسائر الأسباب التي يغتر بها الإنسان ويركن إليها من دون الله باطلا ، والآيات في ذلك كثيرة لا مجال لنقلها في المقام.
والذي يستند إليه تعالى بالأصالة هو الحق دون الباطل كما قال:"الحق من ربك:"آل عمران: 60 ، وقال:"و ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا:"ص: 27 ، وأما الباطل من حيث إنه باطل فليس ينتسب إليه بالاستقامة وإنما هو لازم نقص بعض الأشياء إذا قيس الناقص منها إلى الكامل ، فالعقائد الباطلة لوازم نقص الإدراك وسائر الأمور الباطلة لوازم الأمور إذا قيس إلى ما هو أكمل منها ، وهي تنتسب إليه تعالى بالإذن بمعنى أن خلقه تعالى الأرض السبخة الصيقلية بحيث يتراءى للناظر في لون الماء وصفائه إذن منه تعالى في أن يتخيل عنده ماء وهو تحقق السراب تحققا تخيليا باطلا.
ومن هنا يظهر أن لا شيء في الوجود إلا وفيه شوب بطلان إلا الله سبحانه فهو الحق الذي لا يخالطه بطلان ولا سبيل له إليه قال:"إن الله هو الحق:"النور: 25.