فهرس الكتاب

الصفحة 2951 من 4314

و يظهر أيضا أن الخلقة على ما فيها من النظام بامتزاج من الحق والباطل ، قال تعالى يمثل أمر الخلقة:"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض:"الرعد: 17 ، وتحت هذا معارف جمة.

وقد جرت سنة الله تعالى أن يمهل الباطل حتى إذا اعترض الحق ليبطله ويحل محله قذفه بالحق فإذا هو زاهق فالاعتقاد الحق لا يقطع دابره وإن قلت حملته أحيانا أو ضعفوا ، والكمال الحق لا يهلك من أصله وإن تكاثرت أضداده ، والنصر الإلهي لا يتخطى رسله وإن كانوا ربما بلغ بهم الأمر إلى أن استيئسوا وظنوا أنهم قد كذبوا.

وهذا معنى قوله تعالى:"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق"فإنه إضراب عن عدم خلق العالم لعبا أو عن عدم إرادة اتخاذ اللهو المدلول عليه بقوله:"لو أردنا أن نتخذ لهوا"إلخ ، وفي قوله:"نقذف"المفيد للاستمرار دلالة على كونه سنة جارية ، وفي قوله:"نقذف... فيدمغه"دلالة على علو الحق على الباطل ، وفي قوله:"فإذا هو زاهق"دلالة على مفاجاة القذف ومباغتته في حين لا يرجى للحق غلب ولا للباطل انهزام ، والآية مطلقة غير مقيدة بالحق والباطل في الحجة أو في السيرة والسنة أو في الخلقة فلا دليل على تقييدها بشيء من ذلك.

والمعنى: ما خلقنا العالم لعبا أو لم نرد اتخاذ اللهو بل سنتنا أن نرمي بالحق على الباطل رميا بعيدا فيهلكه فيفاجئه الذهاب والتلف ، فإن كان الباطل حجة أو عقيدة فحجة الحق تبطلها ، وإن كان عملا وسنة كما في القرى المسرفة الظالمة فالعذاب المستأصل يستأصله ويبطله ، وإن كان غير ذلك فغير ذلك.

وقد فسر الآية بعضهم بقوله: لكنا لا نريد اتخاذ اللهو بل شأننا أن نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من جملته اللهو ، وهو خطأ فإن فيه اعترافا بوجود اللهو ولم يرد في سابق الكلام إلا اللهو المنسوب إليه تعالى الذي نفاه الله عن نفسه فالحق أن الآية لا إطلاق لها بالنسبة إلى الجد واللهو إذ لا وجود للهو حتى تشمله الآية وتشمل ما يقابله.

وقوله:"و لكم الويل مما تصفون"وعيد للناس المنكرين للمعاد والنبوة على ما تقدم من توضيح مقتضى السياق.

ويظهر من الآية حقيقة الرجوع إلى الله تعالى وهو أنه تعالى لا يزال يقذف بالحق على الباطل فيحق الحق ويخلصه من الباطل الذي يشوبه أو يستره حتى لا يبقى إلا الحق المحض وهو الله الحق عز اسمه قال:"و يعلمون أن الله هو الحق المبين:"النور: 25 ، فيسقط يومئذ ما كان يظن للأسباب من استقلال التأثير ويزعم لغيره من القوة والملك والأمر كما قال:"لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون:"الأنعام: 94 ، وقال:"إن القوة لله جميعا:"البقرة: 165"، وقال:"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار:"المؤمن: 16 ، وقال:"و الأمر يومئذ لله:"الانفطار: 19 ، والآيات المشيرة إلى هذا المعنى كثيرة."

قوله تعالى:"و له من في السموات والأرض"دفع لأحد الاحتمالات المنافية للمعاد في الجملة وهو أن لا يتسلط سبحانه على بعض أو كل الناس فينجو من لا يملكه من الرجوع إليه والحساب والجزاء فأجيب بأن ملكه تعالى عام شامل لجميع من في السماوات والأرض فله أن يتصرف فيها أي تصرف أراد.

ومن المعلوم أن هذا الملك حقيقي من لوازم الإيجاد بمعنى قيام الشيء بسببه الموجد له بحيث لا يعصيه في أي تصرف فيه ، والإيجاد يختص بالله سبحانه لا يشاركه فيه غيره حتى عند الوثنيين المثبتين لآلهة أخرى للتدبير والعبادة فكل من في السماوات والأرض مملوك لله لا مالك غيره.

قوله تعالى:"و من عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون"إلى آخر الآية التالية ، قال في مجمع البيان ،: الاستحسار الانقطاع عن الإعياء يقال: بعير حسير أي معي ، وأصله من قولهم: حسر عن ذراعيه ، فالمعنى أنه كشف قوته بإعياء انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت