و المراد بقوله:"و من عنده"المخصوصون بموهبة القرب والحضور وربما انطبق على الملائكة المقربين ، وقوله:"يسبحون الليل والنهار لا يفترون"بمنزلة التفسير لقوله:"و لا يستحسرون"أي لا يأخذهم عي وكلال بل يسبحون الليل والنهار من غير فتور ، والتسبيح بالليل والنهار كناية عن دوام التسبيح من غير انقطاع.
يصف تعالى حال المقربين من عباده والمكرمين من ملائكته أنهم مستغرقون في عبوديته مكبون على عبادته لا يشغلهم عن ذلك شاغل ولا يصرفهم صارف ، وكأن الكلام مسوق لبيان خصوصية مالكيته وسلطنته المذكورة في صدر الآية.
وذلك أن السنة الجارية بين الموالي وعبيدهم في الملك الاعتباري أن العبد كلما زاد تقربا من مولاه خفف عنه بالإغماض عن كثير من الوظائف والرسوم الجارية على عامة العبيد ، وكان معفوا عن الحساب والمؤاخذة ، وذلك لكون الاجتماع المدني الإنساني مبنيا على التعاون بمبادلة المنافع بحسب مساس الحاجة ، والحاجة قائمة دائما ، والمولى أحوج إلى مقربي عبيده من غيرهم كما أن الملك أحوج إلى مقربي حضرته من غيرهم ، فإذا كان انتفاع المولى من عبده المقرب أكثر من غيره فليكن ما يبذله من الكرامة بإزاء منافع خدمته كذلك ولذا يرفع عنه كثير مما يوضع لغيره ويعفي عن بعض ما يؤاخذ به غيره فإنما هي معاملة ومبايعة.
وهذا بخلاف ملكه تعالى لعبيده فإنه ملك حقيقي مالكه في غنى مطلق عن مملوكه ، ومملوكه في حاجة مطلقة إلى مالكه ولا يختلف الحال فيه بالقرب والبعد وعلو المقام ودنوه بل كلما زاد العبد فيه قربا كانت العظمة والكبرياء والعزة والبهاء عنده أظهر والإحساس بذلة نفسه ومسكنتها وحاجتها أكثر ويلزمها الإمعان في خشوع العبودية وخضوع العبادة.
فكان قوله:"و من عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون"إلخ إشارة إلى أن ملكه تعالى - وقد أشار قبل إلى أنه مقتض للعبادة والحساب والجزاء - على خلاف الملك الدائر في المجتمع الإنساني ، فلا يطمعن طامع أن يعفى عنه العمل أو الحساب والجزاء.
ويمكن أن يكون الجملة في مقام الترقي والمعنى له من في السماوات والأرض فعليهم أن يعبدوا وسيحاسبون من غير استثناء حتى أن من عنده من مقربي عباده وكرام ملائكته لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون بل يسبحونه تسبيحا دائما غير منقطع.
وقد تقدم في آخر سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى:"إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون"استفادة أن المراد بقوله:"الذين عند ربك"أعم من الملائكة المقربين فلا تغفل.
قوله تعالى: أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون"الإنشار إحياء الموتى فالمراد به المعاد ، وفي الآية دفع احتمال آخر ينافي المعاد والحساب المذكور سابقا وهو الرجوع إلى الله بأن يقال: إن هناك آلهة أخرى دون الله يبعثون الأموات ويحاسبونهم وليس لله سبحانه من أمر المعاد شيء حتى نخافه ونضطر إلى إجابة رسله واتباعهم في دعوتهم بل نعبدهم ولا جناح؟."
وتقييد قوله:"أم اتخذوا آلهة"بقوله"من الأرض"قيل: ليشير به إلى أنهم إذا كانوا من الأرض كان حكمهم حكم عامة أهل الأرض من الموت ثم البعث فمن الذي يميتهم ثم يبعثهم؟.
ويمكن أن يكون المراد اتخاذ آلهة من جنس الأرض كالأصنام المتخذة من الحجارة والخشب والفلزات فيكون فيه نوع من التهكم والتحقير ويئول المعنى إلى أن الملائكة الذين هم الآلهة عندهم إذا كانوا من عباده تعالى وعباده وانقطع هؤلاء عنهم ويئسوا من ألوهيتهم ليلتجئوا إليهم في أمر المعاد فهل يتخذون أصنامهم وتماثيلهم آلهة من دون الله مكان أرباب الأصنام والتماثيل.