و الفرقان مصدر كالفرق لكنه أبلغ من الفرق ، وذكر الراغب أنه على ما قيل اسم لا مصدر وتسمية التوراة الفرقان لكونها فارقة أو لكونها يفرق بها بين الحق والباطل في الاعتقاد والعمل ، والآية نظيرة قوله:"و لقد آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون:"البقرة: 53 وتسميتها ضياء لكونها مضيئة لمسيرهم إلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة ، وتسميتها ذكرا لاشتمالها على ما يذكر به الله من الحكم والمواعظ والعبر.
ولعل كون الفرقان أحد أسماء التوراة هو الموجب لإتيانه باللام بخلاف ضياء وذكر ، وبوجه آخر هي فرقان للجميع لكنها ضياء وذكر للمتقين خاصة لا ينتفع بها غيرهم ولذا جيء بالضياء والذكر منكرين ليتقيدا بقوله:"للمتقين"بخلاف الفرقان وقد سميت التوراة نورا وذكرا في قوله تعالى:"فيها هدى ونور:"المائدة: 44 وقوله:"فاسألوا أهل الذكر"الآية: 7 من السورة.
قوله تعالى:"و هذا ذكر مبارك أنزلناه أ فأنتم له منكرون"الإشارة بهذا إلى القرآن وإنما سمي ذكرا مباركا لأنه ثابت دائم كثير البركات ينتفع به المؤمن به والكافر في المجتمع البشري وتتنعم به الدنيا سواء عرفته أو أنكرته أقرت بحقه أو جحدته.
يدل على ذلك تحليل ما نشاهد اليوم من آثار الرشد والصلاح في المجتمع العام البشري والرجوع بها القهقرى إلى عصر نزول القرآن فما قبله فهو الذكر المبارك الذي يسترشد بمعناه وإن جهل الجاهلون لفظه ، وأنكر الجاحدون حقه وكفروا بعظيم نعمته ، وأعانهم على ذلك المسلمون بإهمالهم في أمره ، وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا.
قوله تعالى:"و لقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين"انعطاف إلى ما قبل موسى وهارون ونزول التوراة كما يفيده قوله:"من قبل"والمراد أن إيتاء التوراة لموسى وهارون لم يكن بدعا من أمرنا بل أقسم لقد آتينا قبل ذلك إبراهيم رشده.
والرشد خلاف الغي وهو إصابة الواقع ، وهو في إبراهيم (عليه السلام) اهتداؤه الفطري التام إلى التوحيد وسائر المعارف الحقة وإضافة الرشد إلى الضمير الراجع إلى إبراهيم تفيد الاختصاص وتعطي معنى اللياقة ويؤيد ذلك قوله بعده:"و كنا به عالمين"وهو كناية عن العلم بخصوصية حاله ومبلغ استعداده.
والمعنى: وأقسم لقد أعطينا إبراهيم ما يستعد له ويليق به من الرشد وإصابة الواقع وكنا عالمين بمبلغ استعداده ولياقته ، والذي آتاه الله سبحانه - كما تقدم - هو ما أدركه بصفاء فطرته ونور بصيرته من حقيقة التوحيد وسائر المعارف الحقة من غير تعليم معلم أو تذكير مذكر أو تلقين ملقن.
قوله تعالى:"إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون"التمثال الشيء المصور والجمع تماثيل ، والعكوف الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له كذا ذكره الراغب فيهما.
يريد (عليه السلام) بهذه التماثيل الأصنام التي كانوا نصبوها للعبادة وتقريب القرابين وكان سؤاله عن حقيقتها ليعرف ما شأنها وقد كان أول وروده في المجتمع وقد ورد في مجتمع ديني يعبدون التماثيل والأصنام والسؤال مع ذلك مجموع سؤالين اثنين وسؤاله أباه عن الأصنام كان قبل سؤاله قومه على ما أشير إليه في سورة الأنعام ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى:"قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين"هو جواب القوم ولما كان سؤاله (عليه السلام) عن حقيقة الأصنام راجعا بالحقيقة إلى سؤال السبب لعبادتهم إياها تمسكوا في التعليل بذيل السنة القومية فذكروا أن ذلك من سنة آبائهم وجدوهم يعبدونها.
قوله تعالى:"قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين"ووجه كونهم في ضلال مبين ما سيورده في محاجة القوم بعد كسر الأصنام من قوله:"أ فتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم".
قوله تعالى:"قالوا أ جئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين"سؤال تعجب واستبعاد وهو شأن المقلد التابع من غير بصيرة إذا صادف إنكارا لما هو فيه استبعد ولم يكد يذعن بأنه مما يمكن أن ينكره منكر ولذا سألوه أ جئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين والمراد بالحق - على ما يعطيه السياق - الجد أي أ تقول ما تقوله جدا أم تلعب به؟.