فهرس الكتاب

الصفحة 2970 من 4314

قوله تعالى:"قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين"هو (عليه السلام) - كما ترى - يحكم بأن ربهم هو رب السماوات وأن هذا الرب هو الذي فطر السماوات والأرض وهو الله سبحانه ، وفي ذلك مقابلة تامة لمذهبهم في الربوبية والألوهية فإنهم يرون أن لهم إلها أو آلهة غير ما للسماوات والأرض من الإله أو الآلهة ، وهم جميعا غير الله سبحانه ولا يرونه تعالى إلها لهم ولا لشيء من السماوات والأرض بل يعتقدون أنه إله الآلهة ورب الأرباب وفاطر الكل.

فقوله:"بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن"رد لمذهبهم في الألوهية بجميع جهاته وإثبات أن لا إله إلا الله وهو التوحيد.

ثم كشف (عليه السلام) بقوله:"و أنا على ذلكم من الشاهدين"عن أنه معترف مقر بما قاله ملتزم بلوازمه وآثاره شاهد عليه شهادة إقرار والتزام فإن العلم بالشيء غير الالتزام به وربما تفارقا كما قال تعالى:"و جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم:"النمل: 14.

وبهذا التشهد يتم الجواب عن سؤالهم أ هو مجد فيما يقول أم لاعب؟ والجواب لا بل أعلم بذلك وأتدين به.

هذا ما يعطيه السياق في معنى الآية ، ولهم في تفسيرها أقاويل أخر وكذا في معاني آيات القصة السابقة واللاحقة وجوه أخر أضربنا عنها لعدم جدوى في التعرض لها فلا سياق الآيات يساعد عليها ولا مذاهب الوثنية توافقها.

قوله تعالى:"و تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين"معطوف على قوله:"بل ربكم"إلخ أي قال لأكيدن أصنامكم"إلخ"والكيد التدبير الخفي على الشيء بما يسوؤه ، وفي قوله:"بعد أن تولوا مدبرين"دلالة على أنهم كانوا يخرجون من البلد أو من بيت الأصنام أحيانا لعيد كان لهم أو نحوه فيبقى الجو خاليا.

وسياق القصة وطبع هذا الكلام يستدعي أن يكون قوله:"و تالله لأكيدن أصنامكم بمعنى تصميمه العزم على أن يكيد أصنامهم فكثيرا ما يعبر عن تصميم العزم بالقول يقال: لأفعلن كذا لقول قلته أي لعزم صممته."

ومن البعيد أن يكون مخاطبا به القوم وهم أمة وثنية كبيرة ذات قوة وشوكة وحمية وعصبية ولم يكن فيهم يومئذ - وهو أول دعوة إبراهيم - موحد غيره فلم يكن من الحزم أن يخبر القوم بقصده أصنامهم بالسوء وخاصة بالتصريح على أن ذلك منه بالكيد يوم تخلو البلدة أو بيت الأصنام من الناس كمن يفشي سرا لمن يريد أن يكتمه منه اللهم إلا أن يكون مخاطبا به بعض القوم ممن لا يتعداهم القول وأما إعلان السر لعامتهم فلا قطعا.

قوله تعالى:"فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون"قال الراغب الجذ كسر الشيء وتفتيته ويقال لحجارة الذهب المكسورة ولفتات الذهب جذاذا ومنه قوله تعالى:"فجعلهم جذاذا"انتهى فالمعنى فجعل الأصنام قطعا مكسورة إلا صنما كبيرا من بينهم.

وقوله:"لعلهم إليه يرجعون"ظاهر السياق أن هذا الترجي لبيان ما كان يمثله فعله أي كان فعله هذا حيث كسر الجميع إلا واحدا كبيرا لهم فعل من يريد بذلك أن يرى القوم ما وقع على أصنامهم من الجذ ويجدوا كبيرهم سالما بينهم فيرجعوا إليه ويتهموه في أمرهم كمن يقتل قوما ويترك واحدا منهم ليتهم في أمرهم.

وعلى هذا فالضمير في قوله:"إليه"راجع إلى"كبيرا لهم"ويؤيد هذا المعنى أيضا قول إبراهيم الآتي:"بل فعله كبيرهم هذا"في جواب قولهم:"أ أنت فعلت هذا بالهتنا".

والجمهور من المفسرين على أن ضمير"إليه"لإبراهيم (عليه السلام) والمعنى فكسر الأصنام وأبقى كبيرهم لعل الناس يرجعون إلى إبراهيم فيحاجهم ويبكتهم ويبين بطلان ألوهية أصنامهم ، وذهب بعضهم إلى أن الضمير لله سبحانه والمعنى فكسرهم وأبقاه لعل الناس يرجعون إلى الله بالعبادة لما رأوا حال الأصنام وتنبهوا من كسرها أنها ليست بآلهة كما كانوا يزعمون.

وغير خفي أن لازم القولين كون قوله:"إلا كبيرا لهم"مستدركا وإن تكلف بعضهم في دفع ذلك بما لا يغني عن شيء ، وكان المانع لهم من إرجاع الضمير إلى"كبيرا"عدم استقامة الترجي على هذا التقدير لكنك عرفت أن ذلك لبيان ما يمثله فعله (عليه السلام) لمن يشهد صورة الواقعة لا لبيان ترج جدي من إبراهيم (عليه السلام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت