فهرس الكتاب

الصفحة 2972 من 4314

قوله تعالى:"ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون"قال الراغب: النكس قلب الشيء على رأسه ومنه نكس الولد إذا خرج رجله قبل رأسه قال تعالى:"ثم نكسوا على رءوسهم".

انتهى فقوله:"ثم نكسوا على رءوسهم"كناية أو استعارة بالكناية عن قلبهم الباطل على مكان الحق الذي ظهر لهم والحق على مكان الباطل كأن الحق علا في قلوبهم الباطل فنكسوا على رءوسهم فرفعوا الباطل وهو كون إبراهيم ظالما على الحق وهو كونهم هم الظالمين فخصموا إبراهيم بقولهم"لقد علمت ما هؤلاء ينطقون".

ومعنى قولهم:"لقد علمت"إلخ.

أن دفاعك عن نفسك برمي كبير الأصنام بالفعل وهو الجذ وتعليق ذلك باستنطاق الآلهة مع العلم بأنهم لا ينطقون دليل على أنك أنت الفاعل الظالم فالجملة كناية عن ثبوت الجرم وقضاء على إبراهيم.

قوله تعالى:"قال أ فتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم - إلى قوله - أ فلا تعقلون"لما تفوهوا بقولهم:"ما هؤلاء ينطقون"وسمعه إبراهيم لم يشتغل بالدفاع فلم يكن قاصدا لذلك من أول بل استفاد من كلامهم لدعوته الحقة فخصمهم بلازم قولهم وأتم الحجة عليهم في كون أصنامهم غير مستحقة للعبادة أي غير آلهة.

فما حصل تفريع قوله:"أ فتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم"أن لازم كونهم لا ينطقون أن لا يعلموا شيئا ولا يقدروا على شيء ، ولازم ذلك أن لا ينفعوكم شيئا ولا يضروكم ، ولازم ذلك أن يكون عبادتهم لغوا إذ العبادة إما لرجاء خير أو لخوف شر وليس عندهم شيء من ذلك فليسوا بآلهة.

وقوله:"أف لكم ولما تعبدون من دون الله"تزجر وتبر منهم ومن آلهتهم بعد إبطال ألوهيتها ، وهذا كشهادته على وحدانيته تعالى بعد إثباتها في قوله فيما مر:"و أنا على ذلكم من الشاهدين"، وقوله:"أ فلا تعقلون"توبيخ لهم.

قوله تعالى:"قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين"هو (عليه السلام) وإن أبطل بكلامه السابق ألوهية الأصنام وكان لازمه الضمني أن لا يكون كسرهم ظلما وجرما لكنه لوح بكلامه إلى أن رميه كبير الأصنام بالفعل وأمرهم أن يسألوا الآلهة عن ذلك لم يكن لدفع الجرم عن نفسه بل كان تمهيدا لإبطال ألوهية الآلهة وبهذا المقدار من السكوت وعدم الرد قضوا عليه بثبوت الجرم وأن جزاءه أن يحرق بالنار.

ولذلك قالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم بتعظيم أمرهم ومجازاة من أهان بهم وقولهم:"إن كنتم فاعلين"تهييج وإغراء.

قوله تعالى:"قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم"خطاب تكويني للنار تبدلت به خاصة حرارتها وإحراقها وإفنائها بردا وسلاما بالنسبة إلى إبراهيم (عليه السلام) على طريق خرق العادة ، وبذلك يظهر أن لا سبيل لنا إلى الوقوف على حقيقة الأمر فيه تفصيلا إذ الأبحاث العقلية عن الحوادث الكونية إنما تجري فيما لنا علم بروابط العلية والمعلولية فيه من العاديات المتكررة ، وأما الخوارق التي نجهل الروابط فيها فلا مجرى لها فيها.

نعم نعلم إجمالا أن لهمم النفوس دخلا فيها وقد تكلمنا في ذلك في مباحث الإعجاز في الجزء الأول من الكتاب.

والفصل في قوله:"قلنا"إلخ.

لكونه في معنى جواب سؤال مقدر وتقدير الكلام بما فيه من الحذف إيجازا نحو من قولنا: فأضرموا نارا وألقوه فيها فكأنه قيل: فما ذا كان بعده فقيل: قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ، وعلى هذا النحو الفصل في كل"قال"و"قالوا"في الآيات السابقة من القصة.

قوله تعالى:"و أرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين"أي احتالوا عليه ليطفئوا نوره ويبطلوا حجته فجعلناهم الأخسرين حيث خسروا ببطلان كيدهم وعدم تأثيره وزادوا خسارة حيث أظهره الله عليهم بالحفظ والإنجاء.

قوله تعالى:"و نجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين"الأرض المذكورة هي أرض الشام التي هاجر إليها إبراهيم ، ولوط أول من آمن به وهاجر معه كما قال تعالى:"فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي:"العنكبوت: 26.

قوله تعالى:"و وهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة"النافلة العطية وقد تكرر البحث عن مضمون الآيتين.

قوله تعالى:"و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا"إلى آخر الآية ، الظاهر - كما يشير إليه ما يدل من الآيات على جعل الإمامة في عقب إبراهيم (عليه السلام) - رجوع الضمير في"جعلناهم"إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت