و ظاهر قوله:"أئمة يهدون بأمرنا"أن الهداية بالأمر يجري مجرى المفسر لمعنى الإمامة ، وقد تقدم الكلام في معنى هداية الإمام بأمر الله في الكلام على قوله تعالى:"إني جاعلك للناس إماما:"البقرة: 124 في الجزء الأول من الكتاب.
والذي يخص المقام أن هذه الهداية المجعولة من شئون الإمامة ليست هي بمعنى إراءة الطريق لأن الله سبحانه جعل إبراهيم (عليه السلام) إماما بعد ما جعله نبيا - كما أوضحناه في تفسير قوله:"إني جاعلك للناس إماما"فيما تقدم - ولا تنفك النبوة عن الهداية بمعنى إراءة الطريق فلا يبقى للإمامة إلا الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب وهي نوع تصرف تكويني في النفوس بتسييرها في سير الكمال ونقلها من موقف معنوي إلى موقف آخر.
وإذ كانت تصرفا تكوينيا وعملا باطنيا فالمراد بالأمر الذي تكون به الهداية ليس هو الأمر التشريعي الاعتباري بل ما يفسره في قوله:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء:"يس: 83 فهو الفيوضات المعنوية والمقامات الباطنية التي يهتدي إليها المؤمنون بأعمالهم الصالحة ويتلبسون بها رحمة من ربهم.
وإذ كان الإمام يهدي بالأمر - والباء للسببية أو الآلة فهو متلبس به أولا ومنه ينتشر في الناس على اختلاف مقاماتهم فالإمام هو الرابط بين الناس وبين ربهم في إعطاء الفيوضات الباطنية وأخذها كما أن النبي رابط بين الناس وبين ربهم في أخذ الفيوضات الظاهرية وهي الشرائع الإلهية تنزل بالوحي على النبي وتنتشر منه وبتوسطه إلى الناس وفيهم ، والإمام دليل هاد للنفوس إلى مقاماتها كما أن النبي دليل يهدي الناس إلى الاعتقادات الحقة والأعمال الصالحة ، وربما تجتمع النبوة والإمامة كما في إبراهيم وابنيه.
وقوله:"و أوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة"إضافة المصدر إلى معموله تفيد تحقق معناه في الخارج فإن أريد أن لا يفيد الكلام ذلك جيء بالقطع عن الإضافة أو بأن وأن الدالتين على تأويل المصدر نص على ذلك الجرجاني في دلائل الإعجاز فقولنا: يعجبني إحسانك وفعلك الخير وقوله تعالى:"ما كان الله ليضيع إيمانكم:"البقرة: 43"أ يدل على الوقوع قبلا ، وقولنا: يعجبني أن تحسن وأن تفعل الخير وقوله تعالى:"أن تصوموا خير لكم:"البقرة: 184 لا يدل على تحقق قبلي ، ولذا كان المألوف في آيات الدعوة وآيات التشريع الإتيان بأن والفعل دون المصدر المضاف كقوله:"أمرت أن أعبد الله:"الرعد: 36"، و"ألا تعبدوا إلا إياه:"يوسف: 40"و أن أقيموا الصلاة:"الأنعام: 72.
وعلى هذا فقوله:"و أوحينا إليهم فعل الخيرات"إلخ.
يدل على تحقق الفعل أي أن الوحي تعلق بالفعل الصادر عنهم أي أن الفعل كان يصدر عنهم بوحي مقارن له ودلالة إلهية باطنية هو غير الوحي المشرع الذي يشرع الفعل أولا ويترتب عليه إتيان الفعل على ما شرع.
ويؤيد هذا الذي ذكر قوله بعد:"و كانوا لنا عابدين"فإنه يدل بظاهره على أنهم كانوا قبل ذلك عابدين لله ثم أيدوا بالوحي وعبادتهم لله إنما كانت بأعمال شرعها لهم الوحي المشرع قبلا فهذا الوحي المتعلق بفعل الخيرات وحي تسديد ليس وحي تشريع.
فالمحصل أنهم كانوا مؤيدين بروح القدس والطهارة مسددين بقوة ربانية تدعوهم إلى فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهي الإنفاق المالي الخاص بشريعتهم.
والقوم حملوا الوحي في الآية على وحي التشريع فأشكل عليهم الأمر أولا من جهة أن فعل الخيرات بالمعنى المصدري ليس متعلقا للوحي بل متعلقه حاصل الفعل ، وثانيا أن التشريع عام للأنبياء وأممهم وقد خص في الآية بهم ، ولذا ذكر الزمخشري أن المراد بفعل الخيرات وما يتلوه من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة المصدر المبني للمفعول ، والمعنى وأوحينا إليهم أن يفعل الخيرات - بالبناء للمجهول - وهكذا ، وبه يندفع الإشكالان إذ المصدر المبني للمفعول وحاصل الفعل كالمترادفين فيندفع الإشكال الأول ، والفاعل فيه مجهول ينطبق على الأنبياء وأممهم جميعا فيندفع الإشكال الثاني وقد كثر البحث حول ما ذكره.
وفيه: أولا منع ما ذكره من اتحاد معنى المصدر المبني للمفعول وحاصل الفعل.
وثانيا: ما قدمناه من أن إضافة المصدر إلى معموله تفيد تحقق الفعل ولا يتعلق الوحي التشريعي به.