قوله تعالى:"ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله"إلى آخر الآية ، الثني الكسر والعطف بكسر العين الجانب ، وثني العطف كناية عن الإعراض كأن المعرض يكسر أحد جانبيه على الآخر.
وقوله:"ليضل عن سبيل الله"متعلق بقوله:"يجادل"واللام للتعليل أي يجادل في الله بجهل منه مظهر للإعراض والاستكبار ليتوصل بذلك إلى إضلال الناس وهؤلاء هم الرؤساء المتبوعون من المشركين.
وقوله:"له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق"تهديد بالخزي - وهو الهوان والذلة والفضيحة - في الدنيا ، وإلى ذلك آل أمر صناديد قريش وأكابر مشركي مكة ، وإيعاد بالعذاب في الآخرة.
قوله تعالى:"ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد"إشارة إلى ما تقدم في الآية السابقة من الإيعاد بالخزي والعذاب ، والباء في"بما قدمت"للمقابلة كقولنا: بعت هذا بهذا أو للسببية أي إن الذي تشاهده من الخزي والعذاب جزاء ما قدمت يداك أو بسبب ما قدمت يداك من المجادلة في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب معرضا مستكبرا لإضلال الناس وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب لتسجيل اللوم والعتاب.
وقوله:"و أن الله ليس بظلام للعبيد"معطوف على"ما قدمت"أي ذلك لأن الله لا يظلم عباده بل يعامل كلا منهم بما يستحقه بعمله ويعطيه ما يسأله بلسان حاله.
قوله تعالى:"و من الناس من يعبد الله على حرف"إلى آخر الآية الحرف والطرف والجانب بمعنى ، والاطمئنان: الاستقرار والسكون ، والفتنة - كما قيل - المحنة والانقلاب الرجوع.
وهذا صنف آخر من الناس غير المؤمنين الصالحين وهو الذي يعبد الله سبحانه بانيا عبادته على جانب واحد دون كل جانب وعلى تقدير الله على كل تقدير وهو جانب الخير ولازمه استخدام الدين للدنيا فإن أصابه خير استقر بسبب ذلك الخير على عبادة الله واطمأن إليها ، وإن أصابته فتنة ومحنة انقلب ورجع على وجهه من غير أن يلتفت يمينا وشمالا وارتد عن دينه تشؤما من الدين أو رجاء أن ينجو بذلك من المحنة والمهلكة وكان ذلك دأبهم في عبادتهم الأصنام فكانوا يعبدونها لينالوا بذلك الخير أو ينجو من الشر بشفاعتهم في الدنيا وأما الآخرة فما كانوا يقولون بها فهذا المذبذب المنقلب على وجهه خسر الدنيا بوقوعه في المحنة والمهلكة ، وخسر الآخرة بانقلابه عن الدين على وجهه وارتداده وكفره ذلك هو الخسران المبين.
هذا ما يعطيه التدبر في معنى الآية ، وعليه فقوله:"يعبد الله على حرف"من قبيل الاستعارة بالكناية ، وقوله:"فإن أصابه خير"إلخ.
تفسير لقوله:"يعبد الله على حرف"وتفصيل له ، وقوله:"خسر الدنيا"أي بإصابة الفتنة ، وقوله:"و الآخرة"أي بانقلابه على وجهه.
قوله تعالى:"يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد"المدعو هو الصنم فإنه لفقده الشعور والإرادة لا يتوجه منه إلى عابده نفع أو ضرر والذي يصيب عابده من ضرر وخسران فإنما يصيبه من ناحية العبادة التي هي فعل له منسوب إليه.
قوله تعالى:"يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير"المولى الولي الناصر ، والعشير الصاحب المعاشر.
ذكروا في تركيب جمل الآية أن"يدعوا"بمعنى يقول ، وقوله:"لمن ضره أقرب من نفعه"إلخ.
مقول القول ، و"لمن"مبتدأ دخلت عليه لام الابتداء وهو موصول صلته"ضره أقرب من نفعه".
وقوله:"لبئس المولى ولبئس العشير"جواب قسم محذوف وهو قائم مقام الخبر دال عليه.
والمعنى: يقول هذا الذي يعبد الأصنام يوم القيامة واصفا لصنمه الذي اتخذه مولى وعشيرا ، الصنم الذي ضره أقرب من نفعه مولى سوء وعشير سوء أقسم لبئس المولى ولبئس العشير.
وإنما يعد ضره أقرب من نفعه لما يشاهد يوم القيامة ما تستتبعه عبادته له من العذاب الخالد والهلاك المؤبد.
قوله تعالى:"إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار"إلخ.
لما ذكر الأصناف الثلاثة من الكفار وهم الأئمة المتبوعون المجادلون في الله بغير علم والمقلدة التابعون لكل شيطان مريد المجادلون كأئمتهم والمذبذبون العابدون لله على حرف ، ووصفهم بالضلال والخسران قابلهم بهذا الصنف من الناس وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ووصفهم بكريم المثوى وحسن المنقلب وأن الله يريد بهم ذلك.