فهذه أعني ما في قوله تعالى:"ذلك بأن الله"إلى آخر الآية نتائج ثلاث مستخرجة من الآية السابقة عليها مسوقة جميعا لغرض واحد وهو ذكر ما يثبت به البعث وهو الذي تتضمنه الآية الأخيرة"و أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور".
ولم تتضمن الآية إلا بعث الأموات والظرف الذي يبعثون فيه فأما الظرف وهو الساعة فذكره في قوله:"و أن الساعة آتية لا ريب فيها"ولم ينسب إتيانها إلى نفسه بأن يقال مثلا: وأن الله يأتي بالساعة أو ما في معناه ولعل الوجه في ذلك اعتبار كونها لا تأتي إلا بغتة لا يتعلق به علم قط كما قال:"لا تأتيكم إلا بغتة".
وقال:"قل إنما علمها عند الله:"الأعراف: 187 وقال:"إن الساعة آتية أكاد أخفيها:"طه: 15 فكان عدم نسبتها إلى فاعل كعدم ذكر وقتها وكتمان مرساها مبالغة في إخفائها وتأييدا لكونها مباغتة مفاجئة ، وقد كثر ذكرها في كلامه ولم يذكر في شيء منه لها فاعل بل كان التعبير مثل آتية"تأتيهم""قائمة""تقوم"ونحو ذلك.
وأما المظروف وهو إحياء الموتى من الإنسان فهو المذكور في قوله:"و أن الله يبعث من في القبور".
فإن قلت: الحجة المذكورة تنتج البعث لجميع الأشياء لا للإنسان فحسب لأن الفعل بلا غاية لغو باطل سواء كان هو الإنسان أو غيره لكن الآية تكتفي بالإنسان فقط.
قلت: قصر الآية النتيجة في الإنسان فقط لا ينافي ثبوت نظير الحكم في غيره لكن الذي تمسه الحاجة في المقام بعث الإنسان على أنه يمكن أن يقال: إن نفي المعاد عن الأشياء غير الإنسان لا يستلزم كون فعلها باطلا منه تعالى لأنها مخلوقة لأجل الإنسان فهو الغاية لخلقها والبعث غاية لخلق الإنسان.
هذا ما يعطيه التدبر في سياق الآيات الثلاث وعرضها على سائر الآيات المتعرضة لإثبات المعاد على تفننها ، وبه يظهر وجه الاكتفاء من النتائج المترتبة عليها بهذه النتائج المعدودة بحسب المترائي من اللفظ خمسا وهي في الحقيقة ثلاث موضوعة في الآية الثانية مستخرجة من الأولى ، وواحدة موضوعة في الآية الثالثة مستخرجة من الثلاث الموضوعة في الثانية.
وبه يندفع أيضا شبهة التكرار المتوهم من قوله: و"أنه يحيي الموتى""و أن الساعة آتية""و أن الله يبعث من في القبور"إلى غير ذلك.
وللقوم في تفسير الآيات الثلاث وتقرير حجتها وجوه كثيرة مختلفة لا ترجع إلى جدوى وقد أضافوا في جميعها إلى حجة الآية مقدمات أجنبية تختل بها سلاسة النظم واستقامة الحجة ، وقد طوينا ذكرها فمن أراد الوقوف عليها فليراجع مطولات التفاسير.
قوله تعالى:"و من الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير"صنف آخر من الناس المعرضين عن الحق ، قال في كشف الكشاف ، على ما نقل: إن الأظهر في النظم والأوفق للمقام أن هذه الآية في المقلدين بفتح اللام والآية السابقة"و من الناس من يجادل إلى قوله: مريد"في المقلدين بكسر اللام انتهى محصلا.
وهو كذلك بدليل قوله هنا ذيلا:"ليضل عن سبيل الله"وقوله هناك:"و يتبع كل شيطان مريد"والإضلال من شأن المقلد بفتح اللام والاتباع من شأن المقلد بكسر اللام.
والترديد في الآية بين العلم والهدى والكتاب مع كون كل من العلم والهدى يعم الآخرين دليل على أن المراد بالعلم علم خاص وبالهدى هدى خاص فقيل: إن المراد بالعلم العلم الضروري وبالهدى الاستدلال والنظر الصحيح الهادي إلى المعرفة وبالكتاب المنير الوحي السماوي المظهر للحق.
وفيه أن تقييد العلم بالضروري وهو البديهي لا دليل عليه.
على أن الجدال سواء كان المراد به مطلق الإصرار في البحث أو الجدل المصطلح وهو القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات من طرق الاستدلال ولا استدلال على ضروري البتة.
ويمكن أن يكون المراد بالعلم ما تفيده الحجة العقلية ، وبالهدى ما تفيضه الهداية الإلهية لمن أخلص لله في عبادته وعبوديته فاستنار قلبه بنور معرفته أو بالعكس بوجه وبالكتاب المنير الوحي الإلهي من طريق النبوة ، وتلك طرق ثلاث إلى مطلق العلم: العقل والبصر والسمع وقد أشار تعالى إليها في قوله:"و لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا:"إسراء: 36 والله أعلم.