فهرس الكتاب

الصفحة 2995 من 4314

قوله تعالى:"ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير"ذلك إشارة إلى ما ذكر في الآية السابقة من خلق الإنسان والنبات وتدبير أمرهما حدوثا وبقاء خلقا وتدبيرا واقعيين لا ريب فيهما.

والذي يعطيه السياق أن المراد بالحق نفس الحق - أعني أنه ليس وصفا قائما مقام موصوف محذوف هو الخبر - فهو تعالى نفس الحق الذي يحقق كل شيء حق ويجري في الأشياء النظام الحق فكونه تعالى حقا يتحقق به كل شيء حق هو السبب لهذه الموجودات الحقة والنظامات الحقة الجارية فيها ، وهي جميعا تكشف عن كونه تعالى هو الحق.

وقوله:"و أنه يحيي الموتى"معطوف على ما قبله أي المذكور في الآية السابقة من صيرورة التراب الميت بالانتقال من حال إلى حال إنسانا حيا وكذا صيرورة الأرض الميتة بنزول الماء نباتا حيا واستمرار هذا الأمر بسبب أن الله يحيي الموتى ويستمر منه ذلك.

وقوله:"و أنه على كل شيء قدير"معطوف على سابقه كسابقه والمراد أن ما ذكرناه بسبب أن الله على كل شيء قدير وذلك أن إيجاد الإنسان والنبات وتدبير أمرهما في الحدوث والبقاء مرتبط بما في الكون من وجود أو نظام جار في الوجود وكما أن إيجادهما وتدبير أمرهما لا يتم إلا مع القدرة عليهما كذلك القدرة عليهما لا تتم إلا مع القدرة على كل شيء فخلقهما وتدبير أمرهما بسبب عموم القدرة وإن شئت فقل: ذلك يكشف عن عموم القدرة.

قوله تعالى:"و أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور"الجملتان معطوفتان على"أن"في قوله:"ذلك بأن الله".

وأما الوجه في اختصاص هذه النتائج الخمس المذكورة في الآيتين بالذكر مع أن بيان السابقة ينتج نتائج أخرى مهمة في أبواب التوحيد كربوبيته تعالى ونفي شركاء العبادة وكونه تعالى عليما ومنعما وجوادا وغير ذلك.

فالذي يعطيه السياق - والمقام مقام إثبات البعث - وعرض هذه الآيات على سائر الآيات المثبتة للبعث أن الآية تؤم إثبات البعث من طريق إثبات كونه تعالى حقا على الإطلاق فإن الحق المحض لا يصدر عنه إلا الفعل الحق دون الباطل ، ولو لم يكن هناك نشاة أخرى يعيش فيها الإنسان بما له من سعادة أو شقاء واقتصر في الخلقة على الإيجاد ثم الإعدام ثم الإيجاد ثم الإعدام وهكذا كان لعبا باطلا فكونه تعالى حقا لا يفعل إلا الحق يستلزم نشاة البعث استلزاما بينا فإن هذه الحياة الدنيا تنقطع بالموت فبعدها حياة أخرى باقية لا محالة.

فالآية أعني قوله:"فإنا خلقناكم من تراب"إلى قوله - ذلك بأن الله هو الحق"في مجرى قوله:"و ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق:"الدخان: 39 وقوله:"و ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا:"ص: 27 وغيرهما من الآيات المتعرضة لإثبات المعاد ، وإنما الفرق أنها تثبته من طريق حقية فعله تعالى والآية المبحوث عنها تثبته من طريق حقيته تعالى في نفسه المستلزمة لحقية فعله."

ثم لما كان من الممكن أن يتوهم استحالة إحياء الموتى فلا ينفع البرهان حينئذ دفعه بقوله:"و أنه يحيي الموتى"فإحياؤه تعالى الموتى بجعل التراب الميت إنسانا حيا وجعل الأرض الميتة نباتا حيا واقع مستمر مشهود فلا ريب في إمكانه وهذه الجملة أيضا في مجرى قوله تعالى:"قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة:"يس: 79 وسائر الآيات المثبتة لإمكان البعث والإحياء ثانيا من طريق ثبوت مثله أولا.

ثم لما أمكن أن يتوهم أن جواز الإحياء الثاني لا يستلزم الوقوع بتعلق القدرة به استبعادا له واستصعابا دفعه بقوله:"و أنه على كل شيء قدير"فإن القدرة لما كانت غير متناهية كانت نسبتها إلى الإحياء الأول والثاني وما كان سهلا في نفسه أو صعبا على حد سواء فلا يخالطها عجز ولا يطرأ عليها عي وتعب.

وهذه الجملة أيضا في مجرى قوله تعالى:"أ فعيينا بالخلق الأول:"ق: 15 وقوله:"إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير:"حم السجدة - 39 وسائر الآيات المثبتة للبعث بعموم القدرة وعدم تناهيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت