فهرس الكتاب

الصفحة 3007 من 4314

و مما قيل في الآية أن قوله:"بوأنا"معناه"قلنا تبوء"وقيل: معناه"أعلمنا"ومن ذلك أن"أن"في قوله:"أن لا"مصدرية وقيل: مخففة من الثقيلة ، ومن ذلك أن المراد بالطائفين الطارءون وبالقائمين المقيمون بمكة ، وقيل: المراد بالقائمين والركع السجود: المصلون ، وهي جميعا وجوه بعيدة.

قوله تعالى:"و أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق"التأذين: الإعلام برفع الصوت ولذا فسر بالنداء ، والحج القصد سمي به العمل الخاص الذي شرعه أولا إبراهيم (عليه السلام) وجرت عليه شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لما فيه من قصد البيت الحرام ، ورجال جمع راجل خلاف الراكب ، والضامر المهزول الذي أضمره السير ، والفج العميق - على ما قيل - الطريق البعيد.

وقوله:"و أذن في الناس بالحج"أي ناد الناس بقصد البيت أو بعمل الحج والجملة معطوفة على قوله:"لا تشرك بي شيئا"والمخاطب به إبراهيم وما قيل: إن المخاطب نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعيد من السياق.

وقوله:"يأتوك رجالا"إلخ ، جواب الأمر أي أذن فيهم وأن تؤذن فيهم يأتوك راجلين وعلى كل بعير مهزول يأتين من كل طريق بعيد ، ولفظة"كل"تفيد في أمثال هذه الموارد معنى الكثرة دون الاستغراق.

قوله تعالى:"ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات"إلخ ، اللام للتعليل أو الغاية والجار والمجرور متعلق بقوله:"يأتوك"والمعنى يأتوك لشهادة منافع لهم أو يأتوك فيشهدوا منافع لهم وقد أطلقت المنافع ولم تتقيد بالدنيوية أو الأخروية.

والمنافع نوعان: منافع دنيوية وهي التي تتقدم بها حياة الإنسان الاجتماعية ويصفو بها العيش وترفع بها الحوائج المتنوعة وتكمل بها النواقص المختلفة من أنواع التجارة والسياسة والولاية والتدبير وأقسام الرسوم والآداب والسنن والعادات ومختلف التعاونات والتعاضدات الاجتماعية وغيرها.

فإذا اجتمعت أقوام وأمم من مختلف مناطق الأرض وأصقاعها على ما لهم من اختلاف الأنساب والألوان والسنن والآداب ثم تعارفوا بينهم وكلمتهم واحدة هي كلمة الحق وإلههم واحد وهو الله عز اسمه ووجهتهم واحدة هي الكعبة البيت الحرام حملهم اتحاد الأرواح على تقارب الأشباح ووحدة القول على تشابه الفعل فأخذ هذا من ذاك ما يرتضيه وأعطاه ما يرضيه ، واستعان قوم بآخرين في حل مشكلتهم وأعانوهم بما في مقدرتهم فيبدل كل مجتمع جزئي مجتمعا أرقى ، ثم امتزجت المجتمعات فكونت مجتمعا وسيعا له من القوة والعدة ما لا تقوم له الجبال الرواسي ، ولا تقوى عليه أي قوة جبارة طاحنة ، ولا وسيلة إلى حل مشكلات الحياة كالتعاضد ولا سبيل إلى التعاضد كالتفاهم ، ولا تفاهم كتفاهم الدين.

ومنافع أخروية وهي وجوه التقرب إلى الله تعالى بما يمثل عبودية الإنسان من قول وفعل وعمل الحج بما له من المناسك يتضمن أنواع العبادات من التوجه إلى الله وترك لذائذ الحياة وشواغل العيش والسعي إليه بتحمل المشاق والطواف حول بيته والصلاة والتضحية والإنفاق والصيام وغير ذلك.

وقد تقدم فيما مر أن عمل الحج بما له من الأركان والأجزاء يمثل دورة كاملة مما جرى على إبراهيم (عليه السلام) في مسيره في مراحل التوحيد ونفي الشريك وإخلاص العبودية لله سبحانه.

فإتيان الناس إبراهيم (عليه السلام) أي حضورهم عند البيت لزيارته يستعقب شهودهم هذه المنافع أخرويها ودنيويها وإذا شهدوها تعلقوا بها فالإنسان مجبول على حب النفع.

وقوله:"و يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام"قال الراغب: والبهيمة ما لا نطق له وذلك لما في صوته من الإبهام لكن خص في التعارف بما عدا السباع والطير فقال تعالى:"أحلت لكم بهيمة الأنعام".

انتهى.

وقال: والنعم مختص بالإبل وجمعه أنعام وتسميته بذلك لكون الإبل عندهم أعظم نعمة ، لكن الأنعام تقال للإبل والبقر والغنم ، ولا يقال لها: أنعام حتى تكون في جملتها الإبل.

انتهى.

فالمراد ببهيمة الأنعام الأنواع الثلاثة: الإبل والبقر والغنم من معز أو ضأن والإضافة بيانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت