و الجملة أعني قوله:"و يذكروا"، إلخ معطوف على قوله:"يشهدوا"أي وليذكروا اسم الله في أيام معلومات أي في أيام التشريق على ما فسرها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وهي يوم الأضحى عاشر ذي الحجة وثلاثة أيام بعده.
وظاهر قوله:"على ما رزقهم من بهيمة الأنعام"أنه متعلق بقوله:"يذكروا"وقوله:"من بهيمة الأنعام"بيان للموصول والمراد ذكرهم اسم الله على البهيمة - الأضحية - عند ذبحها أو نحوها على خلاف ما كان المشركون يهلونها لأصنامهم.
وقد ذكر الزمخشري أن قوله:"و يذكروا اسم الله"إلخ كناية عن الذبح والنحر ويبعده أن في الكلام عناية خاصة بذكر اسمه تعالى بالخصوص والعناية في الكناية متعلقة بالمكني عنه دون نفس الكناية ، ويظهر من بعضهم أن المراد مطلق ذكر اسم الله في أيام الحج وهو كما ترى.
وقوله:"فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير"البائس من البؤس وهو شدة الضر والحاجة ، والذي اشتمل عليه الكلام حكم ترخيصي إلزامي.
قوله تعالى:"ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق"التفث شعث البدن ، وقضاء التفث إزالة ما طرأ بالإحرام من الشعث بتقليم الأظفار وأخذ الشعر ونحو ذلك وهو كناية عن الخروج من الإحرام.
والمراد بقوله:"و ليوفوا نذورهم"إتمام ما لزمهم بنذر أو نحوه ، وبقوله:"و ليطوفوا بالبيت العتيق"طواف النساء على ما في تفسير أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فإن الخروج من الإحرام يحلل له كل ما حرم به إلا النساء فتحل بطواف النساء وهو آخر العمل.
والبيت العتيق هو الكعبة المشرفة سميت به لقدمه فإنه أول بيت بني لعبادة الله كما قال تعالى:"إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين:"آل عمران: 96 ، وقد مضى على هذا البيت اليوم زهاء أربعة آلاف سنة وهو معمور وكان له يوم نزول الآيات أكثر من ألفين وخمسمائة سنة.
قوله تعالى:"ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه"إلى آخر الآية الحرمة ، ما لا يجوز انتهاكه ووجب رعايته ، والأوثان جمع وثن وهو الصنم ، والزور الميل عن الحق ولذا يسمى الكذب وقول الباطل زورا.
وقوله:"ذلك"أي الأمر ذلك أي الذي شرعناه لإبراهيم (عليه السلام) ومن بعده من نسك الحج هو ذلك الذي ذكرناه وأشرنا إليه من الإحرام والطواف والصلاة والتضحية بالإخلاص لله والتجنب عن الشرك.
وقوله:"و من يعظم حرمات الله فهو خير له"ندب إلى تعظيم حرمات الله وهي الأمور التي نهى عنها وضرب دونها حدودا منع عن تعديها واقتراف ما وراءها وتعظيمها الكف عن التجاوز إليها.
والذي يعطيه السياق أن هذه الجملة توطئة وتمهيد لما بعدها من قوله"و أحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم"فإن انضمام هذه الجملة إلى الجملة قبلها يفيد أن الأنعام - على كونها مما رزقهم الله وقد أحلها لهم - فيها حرمة إلهية وهي التي يدل عليها الاستثناء - إلا ما يتلى عليكم -.
والمراد بقوله ما يتلى عليكم"استمرار التلاوة ، فإن محرمات الأكل نزلت في سورة الأنعام وهي مكية وفي سورة النحل وهي نازلة في آخر عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة وأول عهده بالمدينة ، وفي سورة البقرة وقد نزلت في أوائل الهجرة بعد مضي ستة أشهر منها - على ما روي - ولا موجب لجعل"يتلى"للاستقبال وأخذه إشارة إلى آية سورة المائدة كما فعلوه."
والآيات المتضمنة لمحرمات الأكل وإن تضمنت منها عدة أمور كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله إلا أن العناية في الآية بشهادة سياق ما قبلها وما بعدها بخصوص ما أهل به لغير الله فإن المشركين كانوا يتقربون في حجهم - وهو السنة الوحيدة الباقية بينهم من ملة إبراهيم - بالأصنام المنصوبة على الكعبة وعلى الصفا وعلى المروة وبمنى ويهلون بضحاياهم لها فالتجنب منها ومن الإهلال بذكر أسمائها هو الغرض المعنى به من الآية وإن كان أكل الميتة والدم ولحم الخنزير أيضا من جملة حرمات الله.