فهرس الكتاب

الصفحة 3009 من 4314

و يؤيد ذلك أيضا تعقيب الكلام بقوله:"فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور"فإن اجتناب الأوثان واجتناب قول الزور وإن كانا من تعظيم حرمات الله ولذلك تفرع"فاجتنبوا الرجس"على ما تقدمه من قوله:"و من يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه"لكن تخصيص هاتين الحرمتين من بين جميع الحرمات في سياق آيات الحج بالذكر ليس إلا لكونهما مبتلى بهما في الحج يومئذ وإصرار المشركين على التقرب من الأصنام هناك وإهلال الضحايا باسمها.

وبذلك يظهر أن قوله:"فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور"نهي عام عن التقرب إلى الأصنام وقول الباطل أورد لغرض التقرب إلى الأصنام في عمل الحج كما كانت عادة المشركين جارية عليه ، وعن التسمية باسم الأصنام على الذبائح من الضحايا ، وعلى ذلك يبتني التفريع بالفاء.

وفي تعليق حكم الاجتناب أولا بالرجس ثم بيانه بقوله:"من الأوثان"إشعار بالعلية كأنه قيل: اجتنبوا الأوثان لأنها رجس وفي تعليقه بنفس الأوثان دون عبادتها أو التقرب أو التوجه إليها أو مسها ونحو ذلك - مع أن الاجتناب إنما يتعلق على الحقيقة بالأعمال دون الأعيان - مبالغة ظاهرة.

وقد تبين بما مر أن"من"في قوله:"من الأوثان"بيانية ، وذكر بعضهم أنها ابتدائية ، والمعنى: اجتنبوا الرجس الكائن من الأوثان وهو عبادتها ، وذكر آخرون أنها تبعيضية ، والمعنى: اجتنبوا الرجس الذي هو بعض جهات الأوثان وهو عبادتها ، وفي الوجهين من التكلف وإخراج معنى الكلام عن استقامته ما لا يخفى.

قوله تعالى:"حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير"إلخ ، الحنفاء جمع حنيف وهو المائل من الأطراف إلى حاق الوسط.

وكونهم حنفاء لله ميلهم عن الأغيار وهي الآلهة من دون الله إليه فيتحد مع قوله غير مشركين به معنى.

وهما أعني قوله:"حنفاء لله"وقوله:"غير مشركين به"حالان عن فاعل"فاجتنبوا"أي اجتنبوا التقرب من الأوثان والإهلال لها حال كونكم مائلين إليه ممن سواه غير مشركين به في حجكم فقد كان المشركون يلبون في الحج بقولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك.

وقوله:"و من يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير"أي تأخذه بسرعة ، شبه المشرك في شركه وسقوطه به من أعلى درجات الإنسانية إلى هاوية الضلال فيصيده الشيطان ، بمن سقط من السماء فتأخذه الطير.

وقوله:"أو تهوي به الريح في مكان سحيق"أي بعيد في الغاية وهو معطوف على"تخطفه الطير"تشبيه آخر من جهة البعد.

قوله تعالى:"ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب""ذلك"خبر لمبتدإ محذوف أي الأمر ذلك الذي قلنا ، والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة ، وشعائر الله الأعلام التي نصبها الله تعالى لطاعته كما قال:"إن الصفا والمروة من شعائر الله"وقال:"و البدن جعلناها لكم من شعائر الله"الآية.

والمراد بها البدن التي تساق هديا وتشعر أي يشق سنامها من الجانب الأيمن ليعلم أنها هدي على ما في تفسير أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ويؤيده ظاهر قوله تلوا:"لكم فيها منافع"إلخ ، وقوله بعد:"و البدن جعلناها"الآية ، وقيل: المراد بها جميع الأعلام المنصوبة للطاعة ، والسياق لا يلائمه.

وقوله:"فإنها من تقوى القلوب"أي تعظيم الشعائر الإلهية من التقوى ، فالضمير لتعظيم الشعائر المفهوم من الكلام ثم كأنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فأرجع إليه الضمير.

وإضافة التقوى إلى القلوب للإشارة إلى أن حقيقة التقوى وهي التحرز والتجنب عن سخطه تعالى والتورع عن محارمه أمر معنوي يرجع إلى القلوب وهي النفوس وليست هي جسد الأعمال التي هي حركات وسكنات فإنها مشتركة بين الطاعة والمعصية كالمس في النكاح والزنا ، وإزهاق الروح في القتل قصاصا أو ظلما والصلاة المأتي بها قربة أو رياء وغير ذلك ، ولا هي العناوين المنتزعة من الأفعال كالإحسان والطاعة ونحوها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت