فهرس الكتاب

الصفحة 3016 من 4314

و أنت خبير بأنه لا يناسب المقام فإن الآية في مقام بيان أنهم أخرجوا من ديارهم بغير حق لا أنهم إنما أخرجوا بهذا الحق لا بحق غيره.

وتوصيف الذين آمنوا بهذا الوصف - كونهم مخرجين من ديارهم - وهو وصف بعضهم وهم المهاجرون من باب توصيف الكل بوصف البعض بعناية الاتحاد والائتلاف فإن المؤمنين إخوة وهم يد واحدة على من سواهم وتوصيف ، الأمم بوصف بعض الأفراد في القرآن الكريم فوق حد الإحصاء.

وقوله:"و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا"الصوامع جمع صومعة وهي بناء في أعلاه حدة كان يتخذ في الجبال والبراري ويسكنه الزهاد والمعتزلون من الناس للعبادة ، والبيع جمع بيعة بكسر الباء معبد اليهود والنصارى ، والصلوات جمع صلاة وهي مصلى اليهود سمي بها تسمية للمحل باسم الحال كما أريد بها المسجد في قوله تعالى:"لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - إلى قوله - ولا جنبا إلا عابري سبيل".

وقيل: هي معرب"صلوثا"بالثاء المثلثة والقصر وهي بالعبرانية المصلى ، والمساجد جمع مسجد وهو معبد المسلمين.

والآية وإن وقعت موقع التعليل بالنسبة إلى تشريع القتال والجهاد ، ومحصلها أن تشريع القتال إنما هو لحفظ المجتمع الديني من شر أعداء الدين المهتمين بإطفاء نور الله فلو لا ذلك لانهدمت المعابد الدينية والمشاعر الإلهية ونسخت العبادات والمناسك.

لكن المراد بدفع الله الناس بعضهم ببعض أعم من القتال فإن دفع بعض الناس بعضا ذبا عن منافع الحياة وحفظا لاستقامة حال العيش سنة فطرية جارية بين الناس والسنن الفطرية منتهية إليه تعالى ويشهد به تجهيز الإنسان كسائر الموجودات بأدوات وقوى تسهل له البطش ثم بالفكر الذي يهديه إلى اتخاذ وسائل الدفع والدفاع عن نفسه أو أي شأن من شئون نفسه مما تتم به حياته وتتوقف عليه سعادته.

والدفع بالقتال آخر ما يتوسل إليه من الدفع إذا لم ينجع غيره من قبيل آخر الدواء الكي ففيه إقدام على فناء البعض لبقاء البعض وتحمل لمشقة في سبيل راحة سنة جارية في المجتمع الإنساني بل في جميع الموجودات التي لها نفسية ما واستقلال ما.

ففي الآية إشارة إلى أن القتال في الإسلام من فروع هذه السنة الفطرية الجارية وهي دفع الناس بعضهم بعضا عن شئون حياتهم ، وإذا نسب إلى الله سبحانه كل ذلك دفعه الناس بعضهم ببعض حفظا لدينه عن الضيعة.

وإنما اختص انهدام المعابد بالذكر مع أن من المعلوم أنه لو لا هذا الدفع لم يقم أصل الدين على ساقه وانمحت جميع آثاره لأن هذه المعابد والمعاهد هي الشعائر والأعلام الدالة على الدين المذكرة له الحافظة لصورته في الأذهان.

وقوله:"و لينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز"قسم مع تأكيد بالغ على نصره تعالى من ينصره بالقتال ذبا عن الدين الإلهي ولقد صدق الله وعده فنصر المسلمين في حروبهم ومغازيهم فأيدهم على أعدائه ورفع ذكره ما كانوا ينصرونه.

والمعنى أقسم لينصرن الله من ينصره بالدفاع عن دينه إن الله لقوي لا يضعفه أحد ولا يمنعه شيء عما أراد عزيز منيع الجانب لا يتعدى إلى ساحة عزته ولا يعادله شيء في سلطنته وملكه.

ويظهر من الآية أنه كان في الشرائع السابقة حكم دفاعي في الجملة وإن لم يبين كيفيته.

قوله تعالى:"الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر"إلخ توصيف آخر للذين آمنوا المذكورين في أول الآيات ، وهو توصيف المجموع من حيث هو مجموع من غير نظر إلى الأشخاص والمراد من تمكينهم في الأرض إقدارهم على اختيار ما يريدونه من نحو الحياة من غير مانع يمنعهم أو مزاحم يزاحمهم.

يقول تعالى: إن من صفتهم أنهم إن تمكنوا في الأرض وأعطوا الحرية في اختيار ما يستحبونه من نحو الحياة عقدوا مجتمعا صالحا تقام فيه الصلاة وتؤتى فيه الزكاة ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر وتخصيص الصلاة من بين الجهات العبادية والزكاة من بين الجهات المالية بالذكر لكون كل منهما عمدة في بابها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت