فهرس الكتاب

الصفحة 3017 من 4314

و إذ كان الوصف للذين آمنوا المذكورين في صدر الآيات والمراد به عقد مجتمع صالح وحكم الجهاد غير خاص بطائفة خاصة فالمراد بهم عامة المؤمنين يومئذ بل عامة المسلمين إلى يوم القيامة والخصيصة خصيصتهم بالطبع فمن طبع المسلم بما هو مسلم الصلاح وإن كان ربما غشيته الغواشي.

وليس المراد بهم خصوص المهاجرين بأعيانهم سواء كانت الآيات مكية أو مدنية وإن كان المذكور من جهة المظلومية هو إخراجهم من ديارهم وذلك لمنافاته عموم الموصوف المذكور في صدر الآيات وعموم حكم الجهاد لهم ولغيرهم قطعا.

على أن المجتمع الصالح الذي عقد لأول مرة في المدينة ثم انبسط فشمل عامة جزيرة العرب في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أفضل مجتمع متكون في تاريخ الإسلام تقام فيه الصلاة وتؤتى فيه الزكاة وتؤمر فيه بالمعروف وتنهى فيه عن المنكر مشمول للآية قطعا وكان السبب الأول ثم العامل الغالب فيه الأنصار دون المهاجرين.

ولم يتفق في تاريخ الإسلام للمهاجرين ، خاصة أن يعقدوا وحدهم مجتمعا من غير شركة من الأنصار فيقيموا الحق ويميطوا الباطل فيه اللهم إلا أن يقال: إن المراد بهم أشخاص الخلفاء الراشدين أو خصوص علي (عليه السلام) على الخلاف بين أهل السنة والشيعة ، وفي ذلك إفساد معنى جميع الآيات.

على أن التاريخ يضبط من أعمال الصدر الأول وخاصة المهاجرين منهم أمورا لا يسعنا أن نسميها إحياء للحق وإماتة للباطل سواء قلنا بكونهم مجتهدين معذورين أم لا فليس المراد توصيف أشخاصهم بل المجموع من حيث هو مجموع.

وقوله:"و لله عاقبة الأمور"تأكيد لما تقدم من الوعد بالنصر وإظهار المؤمنين على أعداء الدين الظالمين لهم.

قوله تعالى:"و إن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح - إلى قوله - فكيف كان نكير"فيه تعزية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تكذيب قومه له ليس ببدع فقد كذبت أمم قبلهم لأنبيائهم.

وإنذار وتخويف للمكذبين بالإشارة إلى ما انتهى إليه تكذيب من قبلهم من الأمم وهو الهلاك بعذاب من الله تعالى.

وقد عد من تلك الأمم قوم نوح وعادا وهم قوم هود وثمود وهم قوم صالح وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وهم قوم شعيب ، وذكر تكذيب موسى.

قيل: ولم يقل: وقوم موسى لأن قومه بنو إسرائيل وكانوا آمنوا به ، وإنما كذبه فرعون وقومه.

وقوله:"فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير"الإملاء الإمهال وتأخير الأجل ، والنكير الإنكار ، والمعنى فأمهلت الكافرين - الذين كذبوا رسلهم من هذه الأمم - ثم أخذتهم وهو كناية عن العقاب فكيف كان إنكاري لهم في تكذيبهم وكفرهم؟ وهو كناية عن بلوغ الإنكار وشدة الأخذ.

قوله تعالى:"فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد"قرية خاوية على عروشها أي ساقطة جدرانها على سقوفها فهي خربة ، والبئر المعطلة الخالية من الواردين والمستقين وشاد القصر أي جصصه والشيد بالكسر الجص.

وقوله:"فكأين من قرية أهلكناها ظاهر السياق أنه بيان لقوله في الآية السابقة:"فكيف كان نكير"وقوله:"و بئر معطلة وقصر مشيد"عطف على قرية."

والمعنى: فكم من قرية أهلكنا أهلها حال كونهم ظالمين فهي خربة ساقطة جدرانها على سقوفها ، وكم من بئر معطلة باد النازلون عليها فلا وارد لها ولا مستقي منها ، وكم من قصر مجصص هلك سكانها لا يرى لهم أشباح ولا يسمع منهم حسيس ، وأصحاب الآبار أهل البدو وأصحاب القصور أهل الحضر.

قوله تعالى:"أ فلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها"إلخ ، حث وتحضيض على الاعتبار بهذه القرى الهالكة والآثار المعطلة والقصور المشيدة التي تركتها تلك الأمم البائدة بالسير في الأرض فإن السير فيها ربما بعث الإنسان إلى أن يتفكر في نفسه في سبب هلاكهم ويستحضر الحجج في ذلك فيتذكر أن الذي وقع بهم إنما وقع لشركهم بالله وإعراضهم عن آياته واستكبارهم على الحق بتكذيب الرسل فيكون له قلب يعقل به ويردعه عن الشرك والكفر هذا إن وسعه أن يستقل بالتفكير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت