فهرس الكتاب

الصفحة 3018 من 4314

و إن لم يسعه ذلك بعثه الاعتبار إلى أن يصغي إلى قول المشفق الناصح الذي لا يريد به إلا الخير وعظة الواعظ الذي يميز له ما ينفعه مما يضره ولا عظة ككتاب الله ولا ناصح كرسوله فيكون له أذن يسمع بها ما يهتدي به إلى سعادته.

ومن هنا يظهر وجه الترديد في الآية بين القلب والأذن من غير تعرض للبصر وذلك لأن الترديد في الحقيقة بين الاستقلال في التعقل وتمييز الخير من الشر والنافع من الضار وبين الاتباع لمن يجوز اتباعه وهذان شأن القلب والأذن.

ثم لما كان المعنيان جميعا - التعقل والسمع - في الحقيقة من شأن القلب أي النفس المدركة فهو الذي يبعث الإنسان إلى متابعة ما يعقله أو سمعه من ناصح مشفق عد إدراك القلب لذلك رؤية له ومشاهدة منه ، ولذلك عد من لا يعقل ولا يسمع أعمى القلب ثم بولغ فيه بأن حقيقة العمى هي عمى القلب دون عمى العين لأن الذي يعمى بصره يمكنه أن يتدارك بعض منافعه الفائتة بعصا يتخذها أو بهاد يأخذه بيده وأما القلب فلا بدل له يتسلى به ، وهو قوله تعالى:"فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".

وجعل الصدر ظرفا للقلب من المجاز في النسبة ، وفي الكلام مجاز آخر ثان من هذا القبيل وهو نسبة العقل إلى القلب وهو للنفس ، وقد تقدم التنبيه عليه مرارا.

قوله تعالى:"و يستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون"كان القوم يكذبون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أخبرهم أن الله سبحانه وعده أن يعذبهم إن لم يؤمنوا به فكانوا يستعجلونه بالعذاب استهزاء به وتعجيزا له قائلين: متى هذا الوعد؟ فرد الله عليهم بقوله:"و لن يخلف الله وعده"فإن كان المراد بالعذاب عذاب مشركي مكة فالذي وعدهم من العذاب هو ما ذاقوه يوم بدر وإن كان المراد به ما يقضى به بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أمته بعذاب موعود لم ينزل بعد وقد أخبر الله عنه في قوله:"و لكن أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم:"يونس: 47 إلى آخر الآيات.

وقوله:"و إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون"حكم بتساوي اليوم الواحد والألف سنة عند الله سبحانه فلا يستقل هذا ولا يستكثر ذلك حتى يتأثر من قصر اليوم الواحد وطول الألف سنة فليس يخاف الفوت حتى يعجل لهم العذاب بل هو حليم ذو أناة يمهلهم حتى يستكملوا دركات شقائهم ثم يأخذهم فيما قدر لهم من أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، ولذا عقب الكلام بقوله في الآية التالية:"و كأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير".

وقوله:"و إن يوما عند ربك كألف سنة"رد لاستعجالهم بالعذاب بأن الله يستوي عنده قليل الزمان وكثيره ، كما أن قوله:"و لن يخلف الله وعده"تسلية وتأييد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورد لتكذيبهم له فيما أخبرهم به من وعد الله وتعجيزهم له واستهزائهم به.

وقيل: معنى قوله:"و إن يوما عند ربك"إن يوما من أيام الآخرة التي سيعذبون فيها يعدل ألف سنة من أيام الدنيا التي يعدونها.

وقيل: المراد أن يوما لهم وهم معذبون عند ربهم يعدل في الشدة ألف سنة يعذبون فيها من الدنيا.

والمعنيان لا يلائمان صدر الآية ولا الآية التالية كما هو ظاهر.

قوله تعالى:"و كأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير"الآية - كما مر - متممة لقوله:"و إن يوما عند ربك كألف سنة"بمنزلة الشاهد على صدق المدعى ، والمعنى: قليل الزمان وكثيره عند ربك سواء وقد أملى لكثير من القرى الظالمة وأمهلها ثم أخذها بعد مهل.

وقوله:"و إلي المصير"بيان لوجه عدم تعجيله العذاب لأنه لما كان مصير كل شيء إليه فلا يخاف الفوت حتى يأخذ الظالمين بعجل.

وقد ظهر بما مر أن الآية ليست تكرارا لقوله سابقا:"فكأين من قرية"إلخ ، فلكل من الآيتين مفادها.

وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم وحده لأن الكلام فيها في صفة من صفاته تعالى وهو الحلم والمطلوب بيان أن الله سبحانه هو خصمهم بنفسه إذ خاصموا نبيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت