فهرس الكتاب

الصفحة 3044 من 4314

قوله تعالى:"و لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أ فلا تتقون"قد تقدم في قصص نوح (عليه السلام) من سورة هود أنه أول أولي العزم من الرسل أصحاب الكتب والشرائع المبعوثين إلى عامة البشر والناهضين للتوحيد ونفي الشرك ، فالمراد بقومه أمته وأهل عصره عامة.

وقوله:"اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"دعوة إلى عبادة الله ورفض عبادة الآلهة من دونه فإن الوثنيين إنما يعبدون غيره من الملائكة والجن والقديسين بدعوى ألوهيتهم أي كونهم معبودين من دونه.

قال بعض المفسرين: إن معنى"اعبدوا الله"اعبدوه وحده كما يفصح عنه قوله في سورة هود:"ألا تعبدوا إلا الله"وترك التقييد به للإيذان بأنها هي العبادة فقط وأما العبادة مع الإشراك فليست من العبادة في شيء رأسا.

انتهى.

وفيه غفلة أو ذهول عن أن الوثنيين لا يعبدون الله سبحانه أصلا بناء على أن العبادة توجه من العابد إلى المعبود ، والله سبحانه أجل من أن يحيط به توجه متوجه أو علم عالم ، فالوجه أن يتقرب إلى خاصة خلقه من الملائكة وغيره ليشفعوا عنده ويقربوا منه ، والعبادة بإزاء التدبير وأمر التدبير مفوض إليهم منه تعالى فهم الآلهة المعبودون والأرباب من دونه.

ومن هنا يظهر أنه لو جازت عبادته تعالى عندهم لم يجز إلا عبادته وحده لأنهم لا يرتابون في أنه تعالى رب الأرباب موجد الكل ولو صحت عبادته لم تجز إلا عبادته وحده ولم تصح عبادة غيره لكنهم لا يرون صحتها بناء على ما زعموه من الوجه المتقدم.

فقوله (عليه السلام) لقومه الوثنيين:"اعبدوا الله"في معنى أن يقال: اعبدوا الله وحده كما ورد في سورة هود"أن لا تعبدوا إلا الله"، وقوله:"ما لكم من إله غيره"في معنى أن يقال: ما لكم من معبود سواه لأنه لا رب غيره يدبر أمركم حتى تعبدوه رجاء لرحمته أو خوفا من سخطه ، وقوله بالتفريع على ذلك:"أ فلا تتقون"أي إذا لم يكن لكم رب يدبر أموركم دونه أ فلا تتقون عذابه حيث لا تعبدونه وتكفرون به؟ قوله تعالى:"قال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم - إلى قوله - حتى حين ملأ القوم أشرافهم ، ووصفهم بقوله:"الذين كفروا من قومه"وصف توضيحي لا احترازي إذ لم يؤمن به من ملإ قومه أحد بدليل قولهم على ما حكاه الله:"و ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي": هود - 27."

والسياق يدل على أن الملأ كانوا يخاطبون بمضمون الآيتين عامة الناس لصرف وجوههم عنه وإغرائهم عليه وتحريضهم على إيذائه وإسكاته ، وما حكاه تعالى من أقاويلهم في الآيتين وجوه أربعة أو خمسة من فرية أو مغالطة لفقوها واحتجوا بها على بطلان دعوته.

الأول قولهم:"ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم"ومحصله أنه بشر مثلكم فلو كان صادقا فيما يدعيه من الوحي الإلهي والاتصال بالغيب كان نظير ما يدعيه متحققا فيكم إذ لا تنقصون منه في شيء من البشرية ولوازمها ، ولم يتحقق فهو كاذب وكيف يمكن أن يكون كمال في وسع البشر أن يناله ثم لا يناله إلا واحد منهم فقط ثم يدعيه من غير شاهد يشهد عليه؟ فلم يبق إلا أنه يريد بهذه الدعوة أن يتفضل عليكم ويترأس فيكم ويؤيده أنه يدعوكم إلى اتباعه وطاعته وهذه الحجة تنحل في الحقيقة إلى حجتين مختلقتين.

والثاني قولهم:"و لو شاء الله لأنزل ملائكة"ومحصله أن الله سبحانه لو شاء أن يدعونا بدعوة غيبية لاختار لذلك الملائكة الذين هم المقربون عنده والشفعاء الروابط بيننا وبينه فأرسلهم إلينا لا بشرا ممن لا نسبة بينه وبينه.

على أن في نزولهم واعترافهم بوجوب العبادة له تعالى وحده وعدم جواز اتخاذهم أربابا وآلهة معبودين آية بينة على صحة الدعوة وصدقها.

والتعبير عن إرسال الملائكة بإنزالهم إنما هو لكون إرسالهم يتحقق بالإنزال والتعبير بلفظ الجمع دون الإفراد لعله لكون المراد بهم الآلهة المتخذة منهم وهم كثيرون.

والثالث قولهم:"ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين"ومحصله أنه لو كانت دعوته حقة لاتفق لها نظير فيما سلف من تاريخ الإنسانية ، وآباؤنا كانوا أفضل منا وأعقل ولم يتفق لهم وفي أعصارهم ما يناظر هذه الدعوة فليست إلا بدعة وأحدوثة كاذبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت