و الرابع قولهم:"إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين"الجنة إما مصدر أي به جنون أو مفرد الجن أي حل به من الجن من يتكلم على لسانه لأنه يدعي ما لا يقبله العقل السليم ويقول ما لا يقوله إلا مصاب في عقله فتربصوا وانتظروا به إلى حين ما لعله يفيق من حالة جنونه أو يموت فنستريح منه.
وهذه حجج مختلقة ألقاها ملأ قومه إلى عامتهم أو ذكر كلا منها بعضهم وهي وإن كانت حججا جدلية مدخولة لكنهم كانوا ينتفعون بها حينما يلقونها إلى الناس فيصرفون وجوههم عنه ويغرونهم عليه ويمدون في ضلالهم.
قوله تعالى:"قال رب انصرني بما كذبون"سؤال منه للنصر والباء في قوله:"بما كذبون"للبدلية والمعنى انصرني بدل تكذيبهم لي أو للآلة وعليه فالمعنى انصرني بالذي كذبوني فيه وهو العذاب فإنهم قالوا:"فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين": هود - 32 ، ويؤيده قول نوح:"رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا": نوح 26 ، وفصل الآية لكونها في معنى جواب السؤال.
قوله تعالى:"فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا"إلى آخر الآية.
متفرع على سؤال النصر ، ومعنى صنع الفلك بأعينه صنعه بمرأى منه وهو كناية عن كونه تحت مراقبته تعالى ومحافظته ، ومعنى كون الصنع بوحيه كونه بتعليمه الغيبي حالا بعد حال.
وقوله:"فإذا جاء أمرنا وفار التنور"المراد بالأمر - كما قيل - حكمه الفصل بينه وبين قومه وقضاؤه فيهم بالغرق ، والسياق يشهد على كون فوران التنور بالماء أمارة نزول العذاب عليهم وهو أعني فوران الماء من التنور وهو محل النار من عجيب الأمر في نفسه.
وقوله:"فاسلك فيها من كل زوجين اثنين"القراءة الدائرة"من كل"بالتنوين والقطع عن الإضافة ، والتقدير من كل نوع من الحيوان ، والسلوك فيها الإدخال في الفلك والظاهر أن"من"لابتداء الغاية والمعنى فأدخل في الفلك زوجين اثنين: ذكر وأنثى من كل نوع من الحيوان.
وقوله:"و أهلك إلا من سبق عليه القول منهم"معطوف على قوله:"زوجين"وما قيل: إن عطف"أهلك"على"زوجين"يفسد المعنى المراد لرجوع التقدير حينئذ إلى قولنا: واسلك فيها من كل نوع أهلك فالأولى تقدير"اسلك"ثانيا قبل"أهلك"وعطفه على"فاسلك"يدفعه أن"من كل"في موضع الحال من"زوجين"فهو متأخر عنه رتبة كما قدمنا تقديره فلا يعود ثانيا على المعطوف.
والمراد بالأهل خاصته ، والظاهر أنهم أهل بيته والمؤمنون به فقد ذكرهم في سورة هود مع الأهل ولم يذكر هاهنا إلا الأهل فقط.
والمراد بمن سبق عليه القول منهم امرأته الكافرة على ما فهم نوح (عليه السلام) وهي وابنه الذي أبى ركوب السفينة وغرق حينما آوى إلى جبل في الحقيقة ، وسبق القول هو القضاء المحتوم بالغرق.
وقوله:"و لا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون"النهي عن مخاطبته تعالى كناية عن النهي الشديد عن الشفاعة لهم ، بدليل تعليق المخاطبة بالذين ظلموا وتعليل النهي بقوله:"إنهم مغرقون"فكأنه قيل: أنهاك عن أصل تكليمي فيهم فضلا أن تشفع لهم فقد شملهم غضبي شمولا لا يدفعه دافع.
قوله تعالى:"فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل"إلى آخر الآيتين علمه أن يحمد الله بعد الاستواء على الفلك على تنجيته تعالى من القوم الظالمين وهذا بيان بعد بيان لكونهم هالكين مغرقين حتما ، وأن يسأله أن ينجيه من الطوفان وينزله على الأرض إنزالا مباركا ذا خير كثير ثابت فإنه خير المنزلين.
وفي أمره (عليه السلام) أن يحمده ويصفه بالجميل دليل على أنه من عباده المخلصين فإنه تعالى منزه عما يصفه غيرهم كما قال:"سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصون": الصافات: 160.
وقد اكتفى سبحانه في القصة بإخباره عن حكمه بغرقهم وأنهم مغرقون حتما ولم يذكر خبر غرقهم إيماء إلى أنهم آل بهم الأمر إلى أن لا خبر عنهم بعد ذلك ، وإعظاما للقدرة وتهويلا للسخطة وتحقيرا لهم واستهانة بأمرهم ، فالسكوت في هذه القصة عن هلاكهم أبلغ من قوله في القصة الآتية:"و جعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون"من وجوه.
قوله تعالى:"إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين"خطاب في آخر القصة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيان أن هذه الدعوة مع ما جرى معها كانت ابتلاء أي امتحانا واختبارا إليها.