فهرس الكتاب

الصفحة 3046 من 4314

قوله تعالى:"ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين"إلى آخر الآية الثانية.

القرن أهل عصر واحد ، وقوله:"أن اعبدوا الله"تفسير لإرسال الرسول من قبيل تفسير الفعل بنتيجته كقوله تعالى:"تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا": حم السجدة: 30.

قوله تعالى:"قال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا"هؤلاء أشرافهم المتوغلون في الدنيا المخلدون إلى الأرض يغرون بقولهم هذا عامتهم على رسولهم.

وقد وصفهم الله بصفات ثلاث وهي: الكفر بالله بعبادة غيره ، والتكذيب بلقاء الآخرة - أي بلقاء الحياة الآخرة بقرينة مقابلتها لقوله:"في الحياة الدنيا"- ، ولكفرهم بالمبدإ والمعاد انقطعوا عما وراء الدنيا فانكبوا عليها ثم لما أترفوا في الحياة الدنيا وتمكنوا من زخارفها وزيناتها الملذة اجتذبتهم الدنيا إلى نفسها فاتبعوا الهوى ونسوا كل حق وحقيقة ، ولذلك تفوهوا تارة بنفي التوحيد والرسالة وتارة بإنكار المعاد وتارة رد الدعوة بإضرارها دنياهم وحريتهم في اتباع هواهم.

فتارة قالوا لعوامهم مشيرين إلى رسولهم إشارة المستحقر المستهين بأمره:"ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون"يريدون به تكذيبه في دعوته ودعواه الرسالة على ما مر من تقرير حجتهم في قصة نوح السابقة.

وفي استدلالهم على بشريته ومساواته سائر الناس بأكله وشربه مثل الناس وذلك من خاصة مطلق الحيوان دليل على أنهم ما كانوا يرون للإنسان إلا كمال الحيوان ولا فضيلة إلا في الأكل والشرب ولا سعادة إلا في التمكن من التوسع والاسترسال من اللذائذ الحيوانية كما قال تعالى:"أولئك كالأنعام": الأعراف: 179 ، وقال:"و الذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام": سورة محمد: 12.

وتارة قالوا:"و لئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون"وهو في معنى قولهم في القصة السابقة:"يريد أن يتفضل عليكم"يريدون به أن في اتباعه وإطاعته فيما يأمركم به مع كونه بشرا مثلكم من غير فضل له عليكم خسرانكم وبطلان سعادتكم في الحياة إذ لا حياة إلا الحياة الدنيا ولا سعادة فيها إلا الحرية في التمتع من لذائذها ، وفي طاعة من لا فضل له عليكم رقيتكم وزوال حريتكم وهو الخسران.

وتارة قالوا:"أ يعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون"أي مبعوثون من قبوركم للحساب والجزاء"هيهات هيهات لما توعدون"وهيهات كلمة استبعاد وفي تكراره مبالغة في الاستبعاد"إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا"أي يموت قوم منا في الدنيا ويحيا آخرون فيها لا نزال كذلك"و ما نحن بمبعوثين"للحياة في دار أخرى وراء الدنيا.

ويمكن أن يحمل قولهم:"نموت ونحيا"على التناسخ وهو خروج الروح بالموت من بدن وتعلقها ببدن آخر إنساني أو غير إنساني فإن التناسخ مذهب شائع عند الوثنيين وربما عبروا عنه بالولادة بعد الولادة لكنه لا يلائم سياق الآيات كثير ملائمة.

وتارة قالوا:"إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين"يريدون به تكذيب دعواه الرسالة مع ما احتوت عليه دعوته وقد أنكروا التوحيد والمعاد قبل ذلك.

ومرادهم بقولهم:"نحن"أنفسهم وعامتهم أشركوا أنفسهم عامتهم لئلا يتهمهم العامة فيما يأمرونهم به من الكفر بالرسول ، ويمكن أن يكون المراد به أنفسهم خاصة دون العامة وإنما أخبروا بعدم إيمانهم ليقتدوا بهم فيه.

وقد نشأت هذه الأقاويل من اجتماع الصفات التي وصفهم الله بها في أول الآيات وهي إنكار التوحيد والنبوة والمعاد والإتراف في الحياة الدنيا.

واعلم أن في قوله في صدر الآيات:"و قال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم"قدم قوله:"من قومه"على"الذين كفروا"بخلاف ما في القصة السابقة من قوله:"فقال الملأ الذين كفروا من قومه"لأنه لو وقع بعد"الذين كفروا"اختل به ترتيب الجمل المتوالية"كفروا""و كذبوا""و أترفناهم"ولو وقع بعد الجميع طال الفصل.

قوله تعالى:"قال رب انصرني بما كذبون"تقدم تفسيره في القصة السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت