و هذه الآيات الأربع"قال اخسئوا"- إلى قوله -"هم الفائزون"إياس قطعي للكفار من الفوز بسبب ما تعلقوا به من الاعتراف بالذنب وسؤال الرجوع إلى الدنيا ومحصلها أن اقنطوا مما تطلبونه بهذا القول وهو الاعتراف والسؤال فإنه عمل إنما كان ينفع في دار العمل وهي الدنيا ، وقد كان المؤمنون من عبادي يتخذونه وسيلة إلى الفوز وكنتم تسخرون وتضحكون منهم حتى تركتموه وبدلتموه من سخريتهم حتى إذا كان اليوم وهو يوم جزاء لا يوم عمل فازوا بجزاء ما عملوا يوم العمل وبقيتم صفر الأكف تريدون أن تتوسلوا بالعمل اليوم وهو يوم الجزاء دون العمل.
قوله تعالى:"قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين"مما يسأل الله الناس عنه يوم القيامة مدة لبثهم في الأرض وقد ذكر في مواضع من كلامه والمراد به السؤال عن مدة لبثهم في القبور كما يدل عليه قوله تعالى:"و يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة": الروم: 55 ، وقوله:"كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار": الأحقاف: 35 ، وغيرهما من الآيات ، فلا محل لقول بعضهم: إن المراد به المكث في الدنيا ، واحتمال بعضهم أنه مجموع اللبث في الدنيا والبرزخ.
قوله تعالى:"قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسئل العادين"ظاهر السياق أن المراد باليوم هو الواحد من أيام الدنيا وقد استقلوا اللبث في الأرض حينما قايسوه بالبقاء الأبدي الذي يلوح لهم يوم القيامة ويعاينونه.
ويؤيده ما وقع في موضع آخر من تقديرهم ذلك بالساعة ، وفي موضع آخر بعشية أو ضحاها.
وقوله:"فاسئل العادين"أي نحن لا نحسن إحصاءها فاسأل الذين يعدونه وفسر بالملائكة العادين للأيام وليس ببعيد.
قوله تعالى: قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون"القائل هو الله سبحانه ، وفي الكلام تصديق لهم في استقلالهم المكث في القبور وفيه توطئة لما يلحق به من قوله:"لو أنكم كنتم تعلمون"بما فيه من التمني."
والمعنى: قال الله: الأمر كما قلتم فما مكثتم إلا قليلا فليتكم كنتم تعلمون في الدنيا أنكم لا تلبثون في قبوركم إلا قليلا ثم تبعثون حتى لا تنكروا البعث ولم تبتلوا بهذا العذاب الخالد ، والتمني في كلامه تعالى كالترجي راجع إلى المخاطب أو المقام.
وجعل بعضهم"لو"في الآية شرطية والجملة شرطا محذوف الجزاء وتكلف في تصحيح الكلام بما لا يرتضيه الذوق السليم وهو بعيد عن السياق كما هو ظاهر وأبعد منه جعل"لو"وصلية مع أن"لو"الوصلية لا تجيء بغير واو العطف.
قوله تعالى:"أ فحسبتم أنما خلقناكم عبثا - إلى قوله - رب العرش الكريم - بعد ما بين ما سيستقبلهم من أحوال الموت ثم اللبث في البرزخ ثم البعث بما فيه من الحساب والجزاء وبخهم على حسبانهم أنهم لا يبعثون فإن فيه جرأة على الله بنسبة العبث إليه ثم أشار إلى برهان العبث."
فقوله:"أ فحسبتم"إلخ ، معناه فإذا كان الأمر على ما أخبرناكم من تحسركم عند معاينة الموت ثم اللبث في القبور ثم البعث فالحساب والجزاء فهل تظنون أنما خلقناكم عبثا تحيون وتموتون من غير غاية باقية في خلقكم وأنكم إلينا لا ترجعون؟.
وقوله:"فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم"إشارة إلى برهان يثبت البعث ويدفع قولهم بالنفي ، في صورة التنزيه ، فإنه تعالى وصف نفسه في كلمة التنزيه بالأوصاف الأربعة: أنه ملك وأنه حق وأنه لا إله إلا هو وأنه رب العرش الكريم.
فله أن يحكم بما شاء من بدء وعود وحياة وموت ورزق نافذا حكمه ماضيا أمره لملكه ، وما يصدر عنه من حكم فإنه لا يكون إلا حقا فإنه حق ولا يصدر عن الحق بما هو حق إلا حق دون أن يكون عبثا باطلا ثم لما أمكن أن يتصور أن معه مصدر حكم آخر يحكم بما يبطل به حكمه وصفه بأنه لا إله - أي لا معبود - إلا هو ، والإله معبود لربوبيته فإذا لا إله غيره فهو رب العرش - الكريم عرش العالم - الذي هو مجتمع أزمة الأمور ومنه يصدر الأحكام والأوامر الجارية فيه.
فتلخص أنه هو الذي يصدر عنه كل حكم ويوجد منه كل شيء ولا يحكم إلا بحق ولا يفعل إلا حقا فللأشياء رجوع إليه وبقاء به وإلا لكانت عبثا باطلة ولا عبث في الخلق ولا باطل في الصنع.
والدليل على اتصافه بالأوصاف الأربعة كونه تعالى هو الله الموجود لذاته الموجد لغيره.