قوله تعالى:"قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين"الشقوة والشقاوة والشقاء خلاف السعادة وسعادة الشيء ما يختص به من الخير ، وشقاوته فقد ذلك وإن شئت فقل: ما يختص به من الشر.
وقوله:"غلبت علينا شقوتنا"أي قهرنا واستولت علينا شقوتنا ، وفي إضافة الشقوة إلى أنفسهم تلويح إلى أن لهم صنعا في شقوتهم من جهة اكتسابهم ذلك بسوء اختيارهم ، والدليل عليه قولهم بعد:"ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون"إذ هو وعد منهم بالحسنات ولو لم يكن لها ارتباط باكتسابهم الاختياري لم يكن للوعد معنى لكون حالهم بعد الخروج مساوية لما قبل الخروج.
وقد عدوا أنفسهم مغلوبة للشقوة فقد أخذوها ساذجة في ذواتها صالحة للحقوق السعادة والشقاوة غير أن الشقوة غلبت فأشغلت المحل وكانت الشقوة شقوة أنفسهم أي شقوة لازمة لسوء اختيارهم وسيئات أعمالهم لأنهم فرضوا أنفسهم خالية عن السعادة والشقوة لذاتها فانتساب الشقوة إلى أنفسهم وارتباطها بها إنما هي من جهة سوء اختيارهم وسيئات أعمالهم.
وبالجملة هو اعتراف منهم بتمام الحجة ولحوق الشقوة على ما يشهد به وقوع الآية بعد قوله:"أ لم تكن آياتي تتلى عليكم"إلخ.
ثم عقبوا قولهم:"غلبت علينا شقوتنا"بقولهم:"و كنا قوما ضالين"تأكيدا لاعترافهم ، وإنما اعترفوا بالذنب ليتوسلوا به إلى التخلص من العذاب والرجوع إلى الدنيا لكسب السعادة فقد شاهدوا في الدنيا أن اعتراف العاصي المتمرد بذنبه وظلمه توبة منه مطهرة له تنجيه من تبعة الذنب وهم يعلمون أن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل والتوبة والاعتراف بالذنب من الأعمال لكن ذلك من قبيل ظهور الملكات كما أنهم يكذبون يومئذ وينكرون أشياء مع ظهور الحق ومعاينته لاستقرار ملكة الكذب والإنكار في نفوسهم ، قال تعالى:"يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم": المجادلة: 18 وقال:"ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا": المؤمن: 74.
قوله تعالى:"ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون"سؤال منهم للرجوع إلى الدنيا على ما تدل عليه آيات أخر فهو من قبيل طلب المسبب بطلب سببه ، ومرادهم أن يعملوا صالحا بعد ما تابوا بالاعتراف المذكور فيكونوا بذلك ممن تاب وعمل صالحا.
قوله تعالى:"قالوا اخسئوا فيها ولا تكلمون"قال الراغب: خسأت الكلب فخسأ أي زجرته مستهينا به فانزجر وذلك إذا قلت له: اخسأ انتهى.
ففي الكلام استعارة بالكناية ، والمراد زجرهم بالتباعد وقطع الكلام.
قوله تعالى:"إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين"هؤلاء هم المؤمنون في الدنيا وكان إيمانهم توبة ورجوعا إلى الله كما سماه الله في كلامه توبة ، وكان سؤالهم شمول الرحمة - وهي الرحمة الخاصة بالمؤمنين البتة - سؤالا منهم أن يوفقهم للسعادة فيعملوا صالحا فيدخلوا الجنة ، وقد توسلوا إليه باسمه خير الراحمين.
فكان ما قاله المؤمنون في الدنيا معناه التوبة وسؤال الفوز بالسعادة وذلك عين ما قاله هؤلاء مما معناه التوبة وسؤال الفوز بالسعادة وإنما الفرق بينهما من حيث الموقف.
قوله تعالى:"فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون"ضمائر الخطاب للكفار وضمائر الغيبة للمؤمنين ، والسياق يشهد أن المراد من"ذكري"قول المؤمنين:"ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا"إلخ ، وهو معنى قول الكفار في النار.
وقوله:"حتى أنسوكم ذكري"أي أنسى اشتغالكم بسخرية المؤمنين والضحك منهم ذكري ، ففي نسبة الإنساء إلى المؤمنين دون سخريتهم إشارة إلى أنه لم يكن للمؤمنين عندهم شأن من الشئون إلا أن يتخذوهم سخريا.
قوله تعالى:"إني جزيتهم اليوم بما صبروا إنهم هم الفائزون"المراد باليوم يوم الجزاء ، ومتعلق الصبر معلوم من السياق محذوف للإيجاز أي صبروا على ذكري مع سخريتكم منهم لأجله ، وقوله:"إنهم هم الفائزون"مسوق للحصر أي هم الفائزون دونكم.