فهرس الكتاب

الصفحة 3077 من 4314

قوله تعالى:"إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم"إلخ ، الإفك على ما ذكره الراغب الكذب مطلقا والأصل في معناه أنه كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه كالاعتقاد المصروف عن الحق إلى الباطل - والفعل المصروف عن الجميل إلى القبيح ، والقول المصروف عن الصدق إلى الكذب ، وقد استعمل في كلامه تعالى في جميع هذه المعاني.

وذكر أيضا أن العصبة جماعة متعصبة متعاضدة ، وقيل: إنها عشرة إلى أربعين.

والخطاب في الآية وما يتلوها من الآيات لعامة المؤمنين ممن ظاهره الإيمان أعم من المؤمن بحقيقة الإيمان والمنافق ومن في قلبه مرض ، وأما قول بعضهم: إن المخاطب

بالخطابات الأربعة الأول أو الثاني والثالث والرابع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمقذوفة والمقذوف ففيه تفكيك بين الخطابات الواقعة في الآيات العشر الأول وهي نيف وعشرون خطابا أكثرها لعامة المؤمنين بلا ريب.

وأسوأ حالا منه قول بعض آخر إن الخطابات الأربعة أو الثلاثة المذكورة لمن ساءه ذلك من المؤمنين فإنه مضافا إلى استلزامه التفكيك بين الخطابات المتوالية مجازفة ظاهرة.

والمعنى: إن الذين أتوا بهذا الكذب - واللام في الإفك للعهد - جماعة معدودة منكم مرتبط بعضهم ببعض ، وفي ذلك إشارة إلى أن هناك تواطؤا منهم على إذاعة هذا الخبر ليطعنوا به في نزاهة بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويفضحوه بين الناس.

وهذا هو فائدة الخبر في قوله:"إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم"لا تسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو تسليته وتسلية من ساءه هذا الإفك كما ذكره بعضهم فإن السياق لا يساعد عليه.

وقوله:"لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم"مقتضى كون الخطاب لعامة المؤمنين أن يكون المراد بنفي كونه شرا لهم وإثبات كونه خيرا أن المجتمع الصالح من سعادته أن يتميز فيه أهل الزيغ والفساد ليكونوا على بصيرة من أمرهم وينهضوا لإصلاح ما فسد من أعضائهم ، وخاصة في مجتمع ديني متصل بالوحي ينزل عليهم الوحي عند وقوع أمثال هذه الوقائع فيعظهم ويذكرهم بما هم في غفلة منه أو مساهلة حتى يحتاطوا لدينهم ويتفطنوا لما يهمهم.

والدليل على ما ذكرنا قوله بعد:"لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم"فإن الإثم هو الأثر السيىء الذي يبقى للإنسان عن اقتراف المعصية فظاهر الجملة أن أهل الإفك الجائين به يعرفون بإثمه ويتميزون به عندكم فيفتضحون به بدل ما أرادوا أن يفضحوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وأما قول من قال: إن المراد بكونه خيرا لهم أنهم يثابون بما اتهموهم بالإفك كما أن أهل الإفك يتأثمون به فمبني على كون الخطاب للمتهمين خاصة وقد عرفت فساده.

وقوله:"و الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم"فسروا كبره بمعنى معظمه

والضمير للإفك ، والمعنى: والذي تولى معظم الإفك وأصر على إذاعته بين الناس من هؤلاء الآفكين له عذاب عظيم.

قوله تعالى:"لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين"توبيخ لهم إذ لم يردوا الحديث حينما سمعوه ولم يظنوا بمن رمي به خيرا.

وقوله:"ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم"من وضع الظاهر موضع المضمر ، والأصل"ظننتم بأنفسكم"والوجه في تبديل الضمير وصفا الدلالة على علة الحكم فإن صفة الإيمان رادعة بالطبع تردع المتلبس بها عن الفحشاء والمنكر في القول والفعل فعلى المتلبس بها أن يظن على المتلبسين بها خيرا ، وأن يجتنب القول فيهم بغير علم فإنهم جميعا كنفس واحدة في التلبس بالإيمان ولوازمه وآثاره.

فالمعنى: ولو لا إذ سمعتم الإفك ظننتم بمن رمي به خيرا فإنكم جميعا مؤمنون بعضكم من بعض والمرمي به من أنفسكم وعلى المؤمن أن يظن بالمؤمن خيرا ولا يصفه بما لا علم له به.

وقوله:"قالوا هذا إفك مبين"أي قال المؤمنون والمؤمنات وهم السامعون - أي قلتم - هذا إفك مبين لأن الخبر الذي لا علم لمخبره به والدعوى التي لا بينة لمدعيها عليها محكوم شرعا بالكذب سواء كان بحسب الواقع صدقا أو كذبا ، والدليل عليه قوله في الآية التالية:"فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت