فهرس الكتاب

الصفحة 3083 من 4314

أقول: والرواية مروية بطرق أخرى عن عائشة أيضا وعن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي اليسر الأنصاري وأم رومان أم عائشة وغيرهم وفيها بعض الاختلاف: وفيها إن الذين جاءوا بالإفك عبد الله بن أبي بن سلول ومسطح بن أثاثة وكان بدريا من السابقين الأولين من المهاجرين ، وحسان بن ثابت ، وحمنة أخت زينب زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . وفيها أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعاهم بعد ما نزلت آيات الإفك فحدهم جميعا غير أنه حد عبد الله بن أبي حدين وإنما حده حدين لأنه من قذف زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان عليه حدان.

وفي الروايات على تقاربها في سرد القصة إشكال من وجوه: أحدها: أن المسلم من سياقها أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في ريب من أمر عائشة بعد تحقق الإفك كما يدل عليه تغير حاله بالنسبة إليها في المعاملة باللطف أيام اشتكائها وبعدها حتى نزلت الآيات ، ويدل عليه قولها له حين نزلت الآيات وبشرها به: بحمد الله لا بحمدك ، وفي بعض الروايات أنها قالت لأبيها وقد أرسله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليبشرها بنزول العذر: بحمد الله لا بحمد صاحبك الذي أرسلك ، تريد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفي الرواية الأخرى عنها: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما وعظها أن تتوب إلى الله إن كان منها شيء وفي الباب امرأة جالسة قالت له عائشة: أ ما تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئا ، ومن المعلوم أن هذا النوع من الخطاب المبني على الإهانة والإزراء ما كان يصدر عنها لو لا أنها وجدت النبي في ريب من أمرها.

كل ذلك مضافا إلى التصريح به في رواية عمر ففيها:"فكان في قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مما قالوا".

وبالجملة دلالة عامة الروايات على كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ريب من أمرها إلى نزول العذر مما لا ريب فيه ، وهذا مما يجل عنه مقامه (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف؟ وهو سبحانه يقول:"لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين"فيوبخ المؤمنين والمؤمنات على إساءتهم الظن وعدم ردهم ما سمعوه من الإفك فمن لوازم الإيمان حسن الظن بالمؤمنين ، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحق من يتصف بذلك ويتحرز من سوء الظن الذي من الإثم وله مقام النبوة والعصمة الإلهية.

على أنه تعالى ينص في كلامه على اتصافه (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك إذ يقول:"و منهم الذين"

يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم": التوبة: 61."

على أنا نقول: إن تسرب الفحشاء إلى أهل النبي ينفر القلوب عنه فمن الواجب أن يطهر الله سبحانه ساحة أزواج الأنبياء عن لوث الزنا والفحشاء وإلا لغت الدعوة وتثبت بهذه الحجة العقلية عفتهن واقعا لا ظاهرا فحسب ، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعرف بهذه الحجة منا فكيف جاز له أن يرتاب في أمر أهله برمي من رام أو شيوع من إفك.

وثانيها: أن الذي تدل عليه الروايات أن حديث الإفك كان جاريا بين الناس منذ بدأ به أصحاب الإفك إلى أن ختم بحدهم أكثر من شهر وقد كان حكم القذف مع عدم قيام الشهادة معلوما وهو جلد القاذف وتبرئة المقذوف شرعا فما معنى توقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حد أصحاب الإفك هذه المدة الطويلة وانتظاره الوحي في أمرها حتى يشيع بين الناس وتتلقاه الألسن وتسير به الركبان ويتسع الخرق على الراتق؟ وما أتى به الوحي من العذر لا يزيد على ما تعينه آية القذف من براءة المقذوف حكما شرعيا ظاهريا.

فإن قيل: الذي نزل من العذر براءتها واقعا وطهارة ذيلها في نفس الأمر وهذا أمر لا تكفي له آية حد القاذف ، ولعل صبره (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه المدة الطويلة إنما كان لأجله.

قلت: لا دلالة في شيء من هذه الآيات الست عشرة على ذلك ، وإنما تثبت بالحجة العقلية السابقة الدالة على طهارة بيوت الأنبياء من لوثة الفحشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت