أما الآيات العشر الأول التي فيها شائبة الاختصاص فأظهرها في الدلالة على براءتها قوله تعالى:"لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون"وقد استدل فيها على كذبهم بعدم إتيانهم بالشهداء ، ومن الواضح أن عدم إقامة الشهادة إنما هو دليل البراءة الظاهرية أعني الحكم الشرعي بالبراءة دون البراءة الواقعية لوضوح عدم الملازمة.
وأما الآيات الست الأخيرة فقوله:"الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات إلخ عام من غير مخصص من جهة اللفظ فالذي تثبته من البراءة مشترك فيه بين جميع المقذوفين"
من غير قيام بينة من المؤمنين والمؤمنات ، ومن الواضح أن البراءة المناسبة لهذا المعنى هي البراءة الشرعية.
والحق أن لا مناص عن هذا الإشكال إلا بالقول بأن آية القذف لم تكن نازلة قبل حديث الإفك وإنما نزلت بعده ، وإنما كان سبب توقفه (صلى الله عليه وآله وسلم) خلو الواقعة عن حكم الله بعد فكان ينتظر في أمر الإفك الحكم السماوي.
ومن أوضح الدليل عليه ما في الرواية من استعذار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من القاذف في المسجد وقول سعد بن معاذ ما قال ومجادلة سعد بن عبادة إياه واختلاف الأوس والخزرج بمحضر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي رواية عمر بعد ما ذكر اختلاف ابن معاذ وابن عبادة: فقال هذا: يا للأوس وقال هذا: يا للخزرج فاضطربوا بالنعال والحجارة فتلاطموا ، الحديث فلو كانت آية القذف نازلة قبل ذلك وحكم الحد معلوما لم يجب سعد بن معاذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه يعذره منه بالقتل ولقال هو وسائر الناس: يا رسول الله حكم القذف معلوم ويدك مبسوطة.
وثالثها: أنها تصرح بكون أصحاب الإفك هم عبد الله بن أبي ومسطحا وحسانا وحمنة ثم تذكر أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حد عبد الله بن أبي حدين وكلا من مسطح وحسان وحمنة حدا واحدا ، ثم تعلل حدي عبد الله بن أبي بأن من قذف أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعليه حدان ، وهذا تناقض صريح فإنهم جميعا كانوا قاذفين بلا فرق بينهم.
نعم تذكر الروايات أن عبد الله بن أبي كان هو الذي تولى كبره منهم لكن لم يقل أحد من الأمة إن هذا الوصف يوجب حدين.
ولا أن المراد بالعذاب العظيم في قوله:"الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم"هو ثبوت حدين.
وفي تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم"الآية فإن العامة روت أنها نزلت في عائشة وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة وأما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية وما رمتها به عائشة.
حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال قال: حدثني عبد الله بن بكير عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لما هلك إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حزن عليه حزنا شديدا فقالت عائشة: ما الذي
يحزنك عليه؟ ما هو إلا ابن جريح ، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) وأمره بقتله. فذهب علي (عليه السلام) ومعه السيف وكان جريح القبطي في حائط فضرب علي (عليه السلام) باب البستان فأقبل جريح له ليفتح الباب فلما رأى عليا (عليه السلام) عرف في وجهه الغضب فأدبر راجعا ولم يفتح باب البستان فوثب علي (عليه السلام) على الحائط ونزل إلى البستان واتبعه وولى جريح مدبرا فلما خشي أن يرهقه صعد في نخلة وصعد علي (عليه السلام) في أثره فلما دنا منه رمى بنفسه من فوق النخلة فبدت عورته فإذا ليس له ما للرجال ولا له ما للنساء. فانصرف علي (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: يا رسول الله إذا بعثتني في الأمر أكون كالمسمار المحمي في الوبر أم أثبت؟ قال: لا بل تثبت. قال: والذي بعثك بالحق ما له ما للرجال وما له ما للنساء ، فقال: الحمد لله الذي صرف عنا السوء أهل البيت.