قوله تعالى:"و إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون"يشهد سياق الآية أن الآيات إنما نزلت في بعض من المنافقين دعوا إلى حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في منازعة وقعت بينه وبين غيره فأبى الرجوع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي ذلك نزلت الآيات.
والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما كان يحكم بينهم بحكم الله على ما أراه الله كما قال تعالى:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله: النساء: 105."
فللحكم نسبة إليه بالمباشرة ونسبة إلى الله سبحانه من حيث كان الحكم في ضوء شريعته وبنصبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحكم والقضاء.
وبذلك يظهر أن المراد بالدعوة إلى الله ليحكم بينهم هي الدعوة إلى المتابعة لما يقتضيه شرعه تعالى في مورد النزاع ، وبالدعوة إلى رسوله ليحكم بينهم هي الدعوة إلى متابعة ما يقضى عليه بالمباشرة ، وأن الظاهر أن ضمير"ليحكم"للرسول ، وإنما أفرد الفاعل ولم يثن إشارة إلى أن حكم الرسول حكمه تعالى.
والآية بالنسبة إلى الآية السابقة كالخاص بالنسبة إلى العام فهي تقص إعراضنا معينا منهم والإعراض المذكور في الآية السابقة منهم إعراض مطلق.
قوله تعالى:"و إن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين"الإذعان الانقياد ، وظاهر السياق وخاصة قوله:"يأتوا إليه"أن المراد بالحق حكم الرسول بدعوى أنه حق لا ينفك عنه ، والمعنى وإن يكن الحق الذي هو حكم الرسول لهم لا عليهم يأتوا إلى حكمه منقادين فليسوا بمعرضين عنه إلا لكونه عليهم لا لهم ، ولازم ذلك أنهم يتبعون الهوى ولا يريدون اتباع الحق.
قوله تعالى:"أ في قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله"إلى آخر الآية.
الحيف الجور.
وظاهر سياق الآيات أن المراد بمرض القلوب ضعف الإيمان كما في قوله تعالى:"فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض": الأحزاب: 32 ، وقوله:"لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم": الأحزاب: 60 ، وغير ذلك من الآيات.
وأما كون المراد بمرض القلوب النفاق كما فسر به فيدفعه قوله في صدر الآيات:"و ما أولئك بالمؤمنين"فإنه حكم بنفاقهم ، ولا معنى مع إثبات النفاق للاستفهام عن النفاق ثم الإضراب عنه بقوله:"بل أولئك هم الظالمون".
وقوله:"أم ارتابوا"ظاهر إطلاق الارتياب وهو الشك أن يكون المراد هو
شكهم في دينهم بعد الإيمان دون الشك في صلاحية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحكم أو عدله ونحو ذلك لكونها بحسب الطبع محتاجة إلى بيان بنصب قرينة.
وقوله:"أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله"أي أم يعرضون عن ذلك لأنهم يخافون أن يجور الله عليهم ورسوله لكون الشريعة الإلهية التي يتبعها حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مبنية على الجور وإماتة الحقوق الحقة ، أو لكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يراعي الحق في قضائه.
وقوله:"بل أولئك هم الظالمون"إضراب عن الترديد السابق بشقوقه الثلاثة وذلك أن سبب إعراضهم لو كان مرض قلوبهم أو ارتيابهم لم يأتوا إليه مذعنين على تقدير كون الحق لهم بل كانوا يعرضون كان الحق لهم أو عليهم ، وأما الخوف من أن يحيف الله عليهم ورسوله فلا موجب له فالله بريء من الحيف ورسوله فليس إعراضهم عن إجابة الدعوة إلى حكم الله ورسوله إلا لكونهم حق عليهم أنهم ظالمون.
والظاهر أن المراد بالظلم التعدي عن طور الإيمان مع الإقرار به قولا كما قال آنفا:"و ما أولئك بالمؤمنين"أو خصوص التعدي إلى الحقوق غير المالية ، ولو كان المراد مطلق الظلم لم يصح الإضراب عن الشقوق الثلاثة السابقة إليه لأنها من مطلق الظلم ويدل عليه أيضا الآية التالية.
وقد بان بما تقدم أن الترديد في أسباب الإعراض على تقدير عدم النفاق بين الأمور الثلاثة حاصر والأقسام متغايرة فإن محصل المعنى أنهم منافقون غير مؤمنين إذ لو لم يكونوا كذلك كان إعراضهم إما لضعف إيمانهم وإما لزواله بالارتياب وإما للخوف من غير سبب يوجبه فإن الخوف من الرجوع إلى حكم الحاكم إنما يكون إذا احتمل حيفه في حكمه وميله عن الحق إلى الباطل ولا يحتمل ذلك في حكم الله ورسوله.