فهرس الكتاب

الصفحة 3108 من 4314

و قد طال البحث في كلامهم عما في الآية من الترديد والإضراب ولعل فيما ذكرناه كفاية ، ومن أراد أزيد من ذلك فليراجع المطولات.

قوله تعالى:"إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا"إلى آخر الآية سياق قوله:"إنما كان قول المؤمنين"وقد أخذ فيه"كان"ووصف الإيمان في"المؤمنين"يدل على أن ذلك من مقتضيات طبيعة

الإيمان فإن مقتضى الإيمان بالله ورسوله وعقد القلب على اتباع ما حكم به الله ورسوله التلبية للدعوة إلى حكم الله ورسوله دون الرد.

وعلى هذا فالمراد بقوله:"إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم"دعوة بعض الناس ممن ينازعهم كدعوة بعض المتنازعين المتخاصمين الآخر إلى التحاكم إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ، ويدل عليه تصدير الجملة بلفظة"إذا"ولو كان المراد به دعوة الله ورسوله بمعنى إيجاب رجوع المؤمنين في منازعاتهم إلى حكم الله ورسوله كان ذلك حكما مؤبدا لا حاجة فيه إلى التقييد بالزمان.

وبذلك يظهر ضعف ما قيل: إن فاعل"دعوا"المحذوف هو الله ورسوله ، والمعنى: إذا دعاهم الله ورسوله.

نعم مرجع الدعوة بآخره إلى دعوة الله ورسوله.

وكيف كان تقصر الآية قول المؤمنين على تقدير الدعوة إلى حكم الله ورسوله في قولهم: سمعنا وأطعنا وهو سمع وطاعة للدعوة الإلهية سواء فرض الداعي هو أحد المتنازعين للآخر أو فرض الداعي هو الله ورسوله أو كان المراد هو السمع والطاعة لحكم الله ورسوله وإن كان بعيدا.

وانحصار قول المؤمنين عند الدعوة في"سمعنا وأطعنا"يوجب كون الرد للدعوة ليس من قول المؤمنين فيكون تعديا عن طور الإيمان ، كما يفيده قوله:"بل أولئك هم الظالمون"على ما تقدم ، فتكون الآية في مقام التعليل للإضراب في ذيل الآية السابقة.

وقد ختمت الآية بقوله:"و أولئك هم المفلحون"وفيه قصر الفلاح فيهم لا قصرهم في الفلاح.

قوله تعالى:"و من يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون"ورود الآية في سياق الآيات السابقة وانضمامها إلى سابقتها يعطي أنها في مقام التعليل - كالكبرى الكلية - للآية السابقة حيث حكمت بفلاح من أجاب الدعوة إلى حكم الله ورسوله بالسمع والطاعة بقيد الإيمان كأنه قيل: إنما أفلح من أجاب إلى حكم الله ورسوله وهو مؤمن لأنه مطيع لله ولرسوله وهو مؤمن حقا في باطنه خشية الله وفي

ظاهره تقواه ومن يطع الله ورسوله فيما قضي عليه ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ، والفوز هو الفلاح.

وتشمل الآية الداعي إلى حكم الله ورسوله من المتنازعين كما يشمل المدعو منهما إذا أجاب بالسمع والطاعة ففيها زيادة على تعليل حكم الآية السابقة تعميم الوعد الحسن للداعي والمدعو جميعا.

قوله تعالى:"و أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة"إلى آخر الآية الجهد الطاقة ، والتقدير في قوله:"أقسموا بالله جهد أيمانهم"أقسموا بالله مبلغ جهدهم في أيمانهم والمراد أقسموا بأغلظ أيمانهم.

والظاهر أن المراد بقوله:"ليخرجن"الخروج إلى الجهاد على ما وقع في عدة من الآيات كقوله:"و لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا": التوبة: 47.

وقوله:"قل لا تقسموا"نهي عن الإقسام ، وقوله:"طاعة معروفة خبر لمبتدإ محذوف هو الضمير الراجع إلى الخروج والجملة في مقام التعليل للنهي عن الإقسام ولذا جيء بالفصل ، وقوله:"إن الله خبير بما تعملون"من تمام التعليل."

ومعنى الآية: وأقسموا بالله بأغلظ أيمانهم لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن قل لهم: لا تقسموا فالخروج إلى الجهاد طاعة معروفة من الدين - وهو واجب لا حاجة إلى إيجابه بيمين مغلظ - وإن تكونوا تقسمون لأجل أن ترضوا الله ورسوله بذلك فالله خبير بما تعملون لا يغره إغلاظكم في الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت