و المتحصل من ذلك كله أن الله سبحانه يعد الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات أن سيجعل لهم مجتمعا صالحا خالصا من وصمة الكفر والنفاق والفسق يرث الأرض لا يحكم في عقائد أفراده عامة ولا أعمالهم إلا الدين الحق يعيشون آمنين من غير خوف من عدو داخل أو خارج ، أحرارا من كيد الكائدين وظلم الظالمين وتحكم المتحكمين.
وهذا المجتمع الطيب الطاهر على ما له من صفات الفضيلة والقداسة لم يتحقق ولم ينعقد منذ بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا ، وإن انطبق فلينطبق على زمن ظهور المهدي (عليه السلام) على ما ورد من صفته في الأخبار المتواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) لكن على أن يكون الخطاب للمجتمع الصالح لا له (عليه السلام) وحده.
فإن قلت: ما معنى الوعد حينئذ للذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات وليس المهدي (عليه السلام) أحد المخاطبين حين النزول ولا واحد من أهل زمان ظهوره بينهم؟ قلت: فيه خلط بين الخطابات الفردية والاجتماعية أعني الخطاب المتوجه إلى أشخاص القوم بما هم أشخاص بأعيانهم والخطاب المتوجه إليهم بما هم قوم على نعت كذا فالأول لا يتعدى إلى غير أشخاصهم ولا ما تضمنه من وعد أو وعيد أو غير ذلك
يسري إلى غيرهم والثاني يتعدى إلى كل من اتصف بما ذكر فيه من الوصف ويسري إليه ما تضمنه من الحكم ، وخطاب الآية من القبيل الثاني على ما تقدم.
ومن هذا القبيل أغلب الخطابات القرآنية المتوجهة إلى المؤمنين والكفار ، ومنه الخطابات الذامة لأهل الكتاب وخاصة اليهود بما فعله أسلافهم وللمشركين بما صنعه آباؤهم.
ومن هذا القبيل خاصة ما ذكر من الوعد في قوله تعالى:"فإذا جاء وعد الآخرة ليسئوا وجوهكم": الإسراء: 7 فإن الموعودين لم يعيشوا إلى زمن إنجاز هذا الوعد ، ونظيره الوعد المذكور في قول ذي القرنين على ما حكاه الله:"فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا": الكهف: 98 ، وكذا وعده تعالى الناس بقيام الساعة وانطواء بساط الحياة الدنيا بنفخ الصور كما قال:"ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة": الأعراف: 187 ، فوعد الصالحين من المؤمنين بعنوان أنهم مؤمنون صالحون بوعد لا يدركه أشخاص زمان النزول بأعيانهم ولما يوجد أشخاص المجتمع الذي يدرك إنجاز الوعد مما لا ضير فيه البتة.
فالحق أن الآية إن أعطيت حق معناها لم تنطبق إلا على المجتمع الموعود الذي سينعقد بظهور المهدي (عليه السلام) وإن سومح في تفسير مفرداتها وجملها وكان المراد باستخلاف الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات استخلاف الأمة بنوع من التغليب ونحوه ، وبتمكين دينهم الذي ارتضاه لهم كونهم معروفين في الدنيا بالأمة المسلمة وعدهم الإسلام دينا لهم وإن تفرقوا فيه ثلاثا وسبعين فرقة يكفر بعضهم بعضا ويستبيح بعضهم دماء بعض وأعراضهم وأموالهم ، وبتبديل خوفهم أمنا يعبدون الله ولا يشركون به شيئا عزة الأمة وشوكتها في الدنيا وانبساطها على معظم المعمورة وظواهر ما يأتون به من صلاة وصوم وحج وإن ارتحل الأمن من بينهم أنفسهم وودعهم الحق والحقيقة ، فالوجه أن الموعود بهذا الوعد الأمة ، والمراد باستخلافهم ما رزقهم الله من العزة والشوكة بعد الهجرة إلى ما بعد الرحلة ولا موجب لقصر ذلك في زمن الخلفاء الراشدين بل يجري فيما بعد ذلك إلى زمن انحطاط الخلافة الإسلامية.
وأما تطبيق الآية على خلافة الخلفاء الراشدين أو الثلاثة الأول أو خصوص علي
(عليه السلام) فلا سبيل إليه البتة.
قوله تعالى:"و أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون"مناسبة مضمون الآية لما سيقت لبيانه الآيات السابقة تعطي أنها من تمامها.
فقوله:"و أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أمر في الحقيقة بطاعته تعالى فيما شرعه لعباده ، وتخصيص الصلاة والزكاة بالذكر لكونهما ركنين في التكاليف الراجعة إلى الله تعالى وإلى الخلق ، وقوله:"و أطيعوا الرسول"إنفاذ لولايته (صلى الله عليه وآله وسلم) في القضاء والحكومة."