فهرس الكتاب

الصفحة 3111 من 4314

و قوله ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ظاهر السياق كون ذلك إشارة إلى الموعود والأنسب على ذلك كون كفر من الكفران مقابل الشكر والمعنى ومن كفر ولم يشكر الله بعد تحقق هذا الوعد بالكفر أو النفاق أو سائر المعاصي الموبقة فأولئك هم الفاسقون الكاملون في الفسق وهو الخروج عن زي العبودية.

وقد اشتد الخلاف بين المفسرين في الآية.

فقيل إنها واردة في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أنجز الله وعده لهم باستخلافهم في الأرض وتمكين دينهم وتبديل خوفهم أمنا بما أعز الإسلام بعد رحلة النبي في أيام الخلفاء الراشدين والمراد باستخلافهم استخلاف الخلفاء الأربعة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الثلاثة الأول منهم ونسبة الاستخلاف إلى جميعهم مع اختصاصه ببعضهم وهم الأربعة أو الثلاثة من قبيل نسبة أمر البعض إلى الكل كقولهم قتل بنو فلان وإنما قتل بعضهم.

وقيل هي عامة لأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد باستخلافهم وتمكين دينهم وتبديل

خوفهم أمنا إيراثهم الأرض كما أورثها الله الأمم الذين كانوا قبلهم أو استخلاف الخلفاء بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على اختلاف التقرير وتمكين الإسلام وانهزام أعداء الدين وقد أنجز الله وعده بما نصر الإسلام والمسلمين بعد الرحلة ففتحوا الأمصار وسخروا الأقطار.

وعلى القولين الآية من ملاحم القرآن حيث أخبر بأمر قبل أوان تحققه ولم يكن مرجوا ذلك يومئذ.

وقيل إنها في المهدي الموعود (عليه السلام) الذي تواترت الأخبار على أنه سيظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا وأن المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من أهل بيته (عليهم السلام) .

والذي يعطيه سياق الآية الكريمة على ما تقدم من البحث بالتحرز عن المسامحات التي ربما يرتكبها المفسرون في تفسير الآيات هو أن الوعد لبعض الأمة لا لجميعها ولا لأشخاص خاصة منهم وهم الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات فالآية نص في ذلك ولا قرينة من لفظ أو عقل يدل على كونهم هم الصحابة أو النبي وأئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ولا على أن المراد بالذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات جميع الأمة وإنما صرف الوعد إلى طائفة خاصة منهم تشريفا لهم أو لمزيد العناية بهم فهذا كله تحكم من غير وجه.

والمراد باستخلافهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم عقد مجتمع مؤمن صالح منهم يرثون الأرض كما ورثها الذين من قبلهم من الأمم الماضين أولي القوة والشوكة وهذا الاستخلاف قائم بمجتمعهم الصالح من دون أن يختص به أشخاص منهم كما كان كذلك في الذين من قبلهم وأما إرادة الخلافة الإلهية بمعنى الولاية على المجتمع كما كان لداود وسليمان ويوسف (عليهما السلام) وهي السلطنة الإلهية فمن المستبعد أن يعبر عن أنبيائه الكرام بلفظ الذين من قبلهم وقد وقعت هذه اللفظة أو ما بمعناها في أكثر من خمسين موضعا من كلامه تعالى ولم يقصد ولا في واحد منها الأنبياء الماضون مع كثرة ورود ذكرهم في القرآن نعم ذكرهم الله بلفظ رسل من قبلك أو رسل من قبلي أو نحوها بالإضافة إلى الضمير الراجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

والمراد بتمكين دينهم الذي ارتضى لهم كما مر ثبات الدين على ساقه بحيث لا

يزلزله اختلافهم في أصوله ولا مساهلتهم في إجراء أحكامه والعمل بفروعه وخلوص المجتمع من وصمة النفاق فيه.

والمراد من تبديل خوفهم أمنا انبساط الأمن والسلام على مجتمعهم بحيث لا يخافون عدوا في داخل مجتمعهم أو خارجه متجاهرا أو مستخفيا على دينهم أو دنياهم.

وقول بعضهم إن المراد الخوف من العدو الخارج من مجتمعهم كما كان المسلمون يخافون الكفار والمشركين القاصدين إطفاء نور الله وإبطال الدعوة.

تحكم مدفوع بإطلاق اللفظ من غير قرينة معينة للمدعى على أن الآية في مقام الامتنان وأي امتنان على قوم لا عدو يقصدهم من خارج وقد أحاط بمجتمعهم الفساد وعمته البلية لا أمن لهم في نفس ولا عرض ولا مال الحرية فيه للقدرة الحاكمة والسبق فيه للفئة الباغية.

والمراد بكونهم يعبدون الله لا يشركون به شيئا ما يعطيه حقيقة معنى اللفظ وهو عموم إخلاص العبادة وانهدام بنيان كل كرامة إلا كرامة التقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت