و إن كان المراد به إيراث الأرض وتسليط قوم عليها بعد قوم كما قال إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين: الأعراف - 128 وقال إن الأرض يرثها عبادي الصالحون: الأنبياء - 105 فالمراد بالذين من قبلهم المؤمنون من أمم الأنبياء الماضين الذين أهلك الله الكافرين والفاسقين منهم ونجى الخلص من مؤمنيهم كقوم نوح وهود وصالح وشعيب كما أخبر عن جمعهم في قوله تعالى وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد: إبراهيم - 14 فهؤلاء الذين أخلصوا لله فنجاهم فعقدوا مجتمعا صالحا وعاشوا فيه حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم.
وأما قول من قال إن المراد بالذين استخلفوا من قبلهم بنو إسرائيل لما أهلك الله فرعون وجنوده فأورثهم أرض مصر والشام ومكنهم فيها كما قال تعالى فيهم
ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض: القصص - 6.
ففيه أن المجتمع الإسرائيلي المنعقد بعد نجاتهم من فرعون وجنوده لم يصف من الكفر والنفاق والفسق ولم يخلص للذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا حينا على ما ينص عليه القرآن الكريم في آيات كثيرة ولا وجه لتشبيه استخلاف الذين آمنوا وعملوا الصالحات باستخلافهم وفيهم الكافر والمنافق والطالح والصالح.
ولو كان المراد تشبيه أصل استخلافهم بأصل استخلاف الذين من قبلهم وهم بنو إسرائيل كيفما كان لم يحتج إلى إشخاص المجتمع الإسرائيلي للتشبيه به وفي زمن نزول الآية وقبل ذلك أمم أشد قوة وأكثر جمعا منهم كالروم والفرس وكلدة وغيرهم وقد قال تعالى في عاد الأولى وثمود إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح: الأعراف - 69 وقال إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد: الأعراف - 74 وقد خاطب بذلك الكفار من هذه الأمة فقال وهو الذي جعلكم خلائف الأرض: الأنعام - 165 وقال هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره: فاطر - 39.
فإن قلت لم لا يجوز أن يكون التشبيه ببني إسرائيل ثم يؤدى حق هذا المجتمع الصالح بما يعقبه من قوله وليمكنن لهم دينهم إلى آخر الوعد قلت نعم ولكن لا موجب حينئذ لاختصاص استخلاف بني إسرائيل لأن يشبه به وأن يكون المراد بالذين من قبلهم بني إسرائيل فقط كما تقدم.
وقوله وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم تمكين الشيء إقراره في مكان وهو كناية عن ثبات الشيء من غير زوال واضطراب وتزلزل بحيث يؤثر أثره من غير مانع ولا حاجز فتمكن الدين هو كونه معمولا به في المجتمع من غير كفر به واستهانة بأمره ومأخوذا بأصول معارفه من غير اختلاف وتخاصم وقد حكم الله سبحانه في مواضع من كلامه أن الاختلاف في الدين من بغي المختلفين كقوله وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم: البقرة - 213.
والمراد بدينهم الذي ارتضى لهم دين الإسلام وأضاف الدين إليهم تشريفا لهم ولكونه من مقتضى فطرتهم.
وقوله وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا هو كقوله وليمكنن لهم عطف على قوله ليستخلفنهم وأصل المعنى وليبدلن خوفهم أمنا فنسبة التبديل إليهم إما على المجاز العقلي أو على حذف مضاف يدل عليه قوله من بعد خوفهم والتقدير وليبدلن خوفهم أو كون أمنا بمعنى آمين.
والمراد بالخوف على أي حال ما كان يقاسيه المؤمنون في صدر الإسلام من الكفار والمنافقين.
وقوله يعبدونني لا يشركون بي شيئا الأوفق بالسياق أن يكون حالا من ضمير وليبدلنهم أي وليبدلن خوفهم أمنا في حال يعبدونني لا يشركون بي شيئا.
والالتفات في الكلام من الغيبة إلى التكلم وتأكيد يعبدونني بقوله لا يشركون بي شيئا ووقوع النكرة شيئا في سياق النفي الدال على نفي الشرك على الإطلاق كل ذلك يقضي بأن المراد عبادتهم لله عبادة خالصة لا يداخلها شرك جلي أو خفي وبالجملة يبدل الله مجتمعهم مجتمعا آمنا لا يعبد فيه إلا الله ولا يتخذ فيه رب غيره.