فهرس الكتاب

الصفحة 3117 من 4314

و ليس ببعيد أن يكون المراد بقوله: فسلموا على أنفسكم"أن يسلم الداخل على أهل البيت ويرد السلام عليه."

وقوله:"تحية من عند الله مباركة طيبة"أي حال كون السلام تحية من عند الله شرعها الله وأنزل حكمها ليحيي بها المسلمون وهو مبارك ذو خير كثير باق وطيب

يلائم النفس فإن حقيقة هذه التحية بسط الأمن والسلامة على المسلم عليه وهو أطيب أمر يشترك فيه المجتمعان.

ثم ختم سبحانه الآية بقوله:"كذلك يبين الله لكم الآيات"وقد مر تفسيره"لعلكم تعقلون"أي تعلموا معالم دينكم فتعملوا بها كما قيل.

قوله تعالى:"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه"ذكر قوله"الذين آمنوا بالله ورسوله"بيانا للمؤمنين على ظهور معناه للدلالة على اتصافهم بحقيقة المعنى أي إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله بحقيقة الإيمان وأيقنوا بتوحده تعالى واطمأنت نفوسهم وتعلقت قلوبهم برسوله.

ولذلك عقبه بقوله:"و إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه"والأمر الجامع هو الذي يجمع الناس للتدبر في أطرافه والتشاور والعزم عليه كالحرب ونحوها.

والمعنى: وإذا كانوا مع الرسول بالاجتماع عنده على أمر من الأمور العامة لم يذهبوا ولم ينصرفوا من عند الرسول حتى يستأذنوه للذهاب.

ولذلك أيضا عقبه بقوله:"إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله"وهو بمنزلة عكس صدر الآية للدلالة على الملازمة وعدم الانفكاك.

وقوله:"فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم"تخيير منه تعالى لرسوله في أن يأذن لمن شاء ولا يأذن لمن لم يشأ.

وقوله:"و استغفر لهم الله إن الله غفور رحيم"أمر له بالاستغفار لهم تطييبا لنفوسهم ورحمة بهم.

قوله تعالى:"لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا"إلى آخر الآية ، دعاء الرسول هو دعوته الناس إلى أمر من الأمور كدعوتهم إلى الإيمان والعمل الصالح ، ودعوتهم ليشاورهم في أمر جامع ، ودعوتهم إلى الصلاة جامعة ، وأمرهم بشيء في أمر دنياهم أو أخراهم فكل ذلك دعاء ودعوة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ويشهد بهذا المعنى قوله ذيلا:"قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا"وما

يتلوه من تهديد مخالفي أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) كما لا يخفى.

وهو أنسب لسياق الآية السابقة فإنها تمدح الذين يلبون دعوته ويحضرون عنده ولا يفارقونه حتى يستأذنوه وهذه تذم وتهدد الذين يدعوهم فيتسللون عنه لواذا غير مهتمين بدعائه ولا معتنين.

ومن هنا يعلم عدم استقامة ما قيل إن المراد بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطابه فيجب أن يفخم ولا يساوى بينه وبين غيره من الناس فلا يقال له: يا محمد ويا ابن عبد الله ، بل: يا رسول الله.

وكذا ما قيل: إن المراد بالدعاء دعاؤه عليهم لو أسخطوه فهو نهي عن التعرض لدعائه عليهم بإسخاطه فإن الله تعالى لا يرد دعاءه هذا ، وذلك لأن ذيل الآية لا يساعد على شيء من الوجهين.

وقوله:"قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا"التسلل: الخروج من البين برفق واحتيال من سل السيف من غمده ، و- اللواذ: الملاوذة وهو أن يلوذ الإنسان ويلتجىء إلى غيره فيستتر به ، والمعنى: أن الله يعلم منكم الذين يخرجون من بين الناس والحال أنهم يلوذون بغيرهم ويستترون به فينصرفون فلا يهتمون بدعاء الرسول ولا يعتنون به.

وقوله:"فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم"ظاهر سياق الآية بما تقدم من المعنى أن ضمير"عن أمره"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو دعاؤه ، ففي الآية تحذير لمخالفي أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوته من أن تصيبهم فتنة وهي البلية أو يصيبهم عذاب أليم.

وقيل: ضمير"عن أمره"راجع إلى الله سبحانه ، والآية وإن لم يقع فيها أمر منه تعالى لكن نهيه المذكور بقوله:"لا تجعلوا دعاء الرسول"إلخ ، في معنى أجيبوا دعاء الرسول ، وهو أمر ، وأول الوجهين أوجه.

قوله تعالى:"ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه"اختتام للسورة ناظر إلى قوله في مفتتحها:"سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات"فما في مختتمها كالتعليل لما في مفتتحها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت