فهرس الكتاب

الصفحة 3121 من 4314

و الجمع في الآية بين نزول القرآن من عنده تعالى وكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رسولا منه نذيرا للعالمين مع تسمية القرآن فرقانا بين الحق والباطل وتوصيف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكونه عبدا له نذيرا للعالمين المشعر بكونه مملوكا مأمورا لا يملك من نفسه شيئا كل ذلك تمهيد لما سيحكي - عن المشركين من طعنهم في القرآن بأنه افتراء على الله اختلقه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعانه على ذلك قوم آخرون ، ومن طعنهم في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وسائر ما تفوهوا به - وما يدفع به مطاعنهم.

فالمحصل أنه كتاب يفرق بحجته الباهرة بين الحق والباطل فلا يكون إلا حقا إذ الباطل لا يفرق بين الحق والباطل وإنما يشبه الباطل بالحق ليلبس على الناس ، وأن الذي جاء به عبد مطيع لله ينذر به العالمين ويدعوهم إلى الحق فلا يكون إلا على الحق ولو كان مبطلا لم يدع إلى الحق بل حاد عنه وانحرف على أن الله سبحانه يشهد في كلامه المعجز بصدق رسالته وأن الذي جاء به من الكتاب منزل من عنده.

ومن هنا يظهر ما في قول بعضهم: إن المراد بالفرقان مطلق الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء وبعبده عامة الأنبياء (عليهم السلام) ، ولا يخفى بعده من ظاهر اللفظ.

وقوله تعالى:"ليكون للعالمين نذيرا"اللام للتعليل وتدل على أن غاية تنزيل الفرقان على عبده أن يكون منذرا لجميع العالمين من الإنس والجن ، والجمع المحلى باللام يفيد الاستغراق ، ولا يخلو الإتيان بصيغة الجمع المحلى باللام من إشارة إلى أن للجميع إلها واحدا لا كما يذهب إليه الوثنيون حيث يتخذ كل قوم إلها غير ما يتخذه الآخرون.

والاكتفاء بذكر الإنذار دون التبشير لأن الكلام في السورة مسوق سوق الإنذار والتخويف.

قوله تعالى:"الذي له ملك السموات والأرض"إلى آخر الآية.

الملك بكسر الميم وفتحها قيام شيء بشيء بحيث يتصرف فيه كيف شاء سواء كان قيام رقبته به كقيام رقبة المال بمالكه بحيث كان له أنواع التصرف فيه أو قيامه به باستيلائه عليه بالتصرف بالأمر والنهي وأنواع الحكم كاستيلاء الملك على الناس من رعيته وما في أيديهم ، ويطلق على القسم الثاني الملك بضم الميم.

فالملك بكسر الميم أعم من الملك بضمها كما قال الراغب الملك بفتح الميم وكسر اللام - هو المتصرف بالأمر والنهي في الجمهور ، وذلك يختص بسياسة الناطقين ، ولهذا يقال: ملك الناس ولا يقال: ملك الأشياء - إلى أن قال - فالملك بالضم - ضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم ، والملك - بالكسر - كالجنس للملك فكل ملك - بالضم - ملك بالكسر - وليس كل ملك - بالكسر - ملكا - بالضم - انتهى.

وربما يخص الملك بالكسر بما يتعلق بالرقبة ، والملك بالضم بغيره.

فقوله تعالى:"الذي له ملك السماوات والأرض"واللام للاختصاص - يفيد أن السماوات والأرض مملوكة له غير مستقلة بنفسها في جهة من جهاتها ولا مستغنية عن التصرف فيها بالحكم وأن الحكم فيها وإدارة رحاها يختص به تعالى فهو المليك المتصرف بالحكم فيها على الإطلاق.

وبذلك يظهر ترتب قوله:"و لم يتخذ ولدا"على ما تقدمه فإن الملك على الإطلاق لا يدع حاجة إلى اتخاذ الولد إذ اتخاذ الولد لأحد أمرين إما لكون الشخص لا يقوى على إدارة رحى جميع أموره ولا يملك تدبيرها جميعا فيتخذ الولد ليستعين به على بعض حوائجه والله سبحانه يملك كل شيء ويقوى على ما أراد ، وإما لكون الشخص محدود البقاء لا يملك ما يملك إلا في أمد محدود فيتخذ الولد ليخلفه فيقوم على أموره بعده والله سبحانه يملك كل شيء سرمدا ولا يعتريه فناء وزوال فلا حاجة له إلى اتخاذ الولد البتة وفيه رد على المشركين والنصارى.

وكذا قوله تعالى بعده:"و لم يكن له شريك في الملك"فإن الحاجة إلى الشريك إنما هي فيما إذا لم يستوعب الملك الأمور كلها وملكه تعالى عام لجميع الأشياء محيط بجميع جهاتها لا يشذ منه شاذ ، وفيه رد على المشركين.

وقوله تعالى:"و خلق كل شيء فقدره تقديرا"بيان لرجوع تدبير عامة الأمور إليه تعالى وحده بالخلق والتقدير فهو رب العالمين لا رب سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت