فهرس الكتاب

الصفحة 3122 من 4314

بيان ذلك أن الخلقة لما كانت بتوسيط الأسباب المتقدمة على الشيء والمقارنة له استلزم ذلك ارتباط وجودات الأشياء بعضها ببعض فيتقدر وجود كل شيء وآثار وجوده حسب ما تقدره العلل والعوامل المتقدمة عليه والمقارنة له فالحوادث الجارية في العالم على النظام المشهود مختلطة بالخلقة تابعة للعلل والعوامل المتقدمة والمقارنة وإذ لا خالق غير الله سبحانه فلا مدبر للأمر غيره فلا رب يملك الأشياء ويدبر أمرها غيره.

فكونه تعالى له ملك السماوات والأرض حاكما متصرفا فيها على الإطلاق يستلزم قيام الخلقة به إذ لو قامت بغيره كان الملك لذلك الغير ، وقيام الخلقة به يستلزم قيام التقدير به ، لكون التقدير متفرعا على الخلقة ، وقيام التقدير به يستلزم قيام التدبير به فله الملك والتدبير فهو الرب عز شأنه.

وملكه تعالى للسماوات والأرض وإن استلزم استناد الخلق والتقدير إليه لكن لما كان الوثنيون مع تسليمهم عموم ملكه يرون أن ملكه للجميع وربوبيته للكل لا ينافي ملك آلهتهم وربوبيتهم للبعض بتفويضه تعالى ذلك إليهم فكل من الآلهة مليك في صقع ألوهيته رب لمربوبيته والله سبحانه ملك الملوك ورب الأرباب وإله الآلهة.

فلذلك لم يكف قوله:"الذي له ملك السماوات والأرض"لإثبات اختصاص الربوبية به تعالى قبالهم بل احتج إلى الإتيان بقوله:"و خلق كل شيء فقدره تقديرا".

فكأن قائلا يقول: هب أن ملكه للسماوات والأرض يغنيه عن اتخاذ الولد والشريك الموجب لسلب ملكه عن بعض الأشياء لكن لم لا يجوز أن يتخذ بعض خلقه شريكا لنفسه بتفويض بعض أمور العالم إليه مع كونه مالكا له ولما فوضه إليه وهذا هو الذي كانت يراه المشركون فقد كانوا يقولون في تلبية الحج لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك.

فأجيب عنه بأن الخلق له سبحانه والتقدير يلازمه وإذا اجتمعا لزمهما التدبير فله سبحانه تدبير كل شيء فليس مع ملكه ملك ولا مع ربوبيته ربوبية.

فقد تحصل أن قوله:"الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك"مسوق لتوحيد الربوبية ونفي الولد والشريك من طريق إثبات الملك المطلق ، وأن قوله:"و خلق كل شيء فقدره تقديرا"تقرير وبيان لمعنى عموم الملك وأنه ملك متقوم بالخلق والتقدير موجب لتصديه تعالى لكل حكم وتدبير من غير أن يفوض شيئا من الأمر إلى أحد من الخلق.

وفي الآية والتي قبلها لهم أقوال أخر أغمضنا عن إيرادها لخلوها عن الجدوى.

قوله تعالى:"و اتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون"إلخ ، لما نعت نفسه بأنه خالق كل شيء ومقدره وأن له ملك السماوات والأرض وهكذا كان يجب أن يكون الإله المعبود ، أشار إلى ضلالة المشركين حيث عبدوا أصناما ليست بخالقة شيئا بل هي مخلوقة مصنوعة لهم ولا مالكة شيئا لأنفسهم ولا لغيرهم.

وضمير"و اتخذوا"للمشركين على ما يفيده السياق وإن لم يسبق لهم ذكر ومثل هذا التعبير يفيد التحقير والاستهانة.

وقوله:"من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون"يريد به أصنامهم التي صنعوها بأيديهم بنحت أو نحوه ، وتوصيفها بالآلهة مع تعقيبها بمثل قوله:"لا يخلقون شيئا وهم يخلقون"إشارة إلى أن ليس لها من الألوهية إلا اسم سموها به من غير أن تتحقق من حقيقتها بشيء كما قال تعالى:"إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم": النجم: 23.

ووضع النكرة في قوله:"لا يخلقون شيئا"في سياق النفي مبالغة في تقريعهم حيث أعرضوا عن الله سبحانه وهو خالق كل شيء وتعلقوا بأصنام لا يخلقون ولا شيئا من الأشياء بل هم أردأ حالا من ذلك حيث إنهم مصنوعون لعبادهم مخلوقون لأوهامهم ، ونظير الكلام جار في قوله:"ضرا ولا نفعا"وقوله:"موتا ولا حياة ولا نشورا".

وقوله:"و لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا"نفي للملك عنهم وهو ضروري في الإله إذ كان عبادهم إنما يعبدونهم ليدفعوا عنهم الضر ويجلبوا إليهم النفع وإذ كانوا لا يملكون ضرا ولا نفعا حتى لأنفسهم لم تكن عبادتهم إلا خبلا وضلالا.

وبذلك يظهر أن في وقوع"لأنفسهم"في السياق زيادة تقريع والكلام في معنى الترقي أي لا يملكون لأنفسهم ضرا حتى يدفعوه ولا نفعا حتى يجلبوه فكيف لغيرهم؟ وقد قدم الضر على النفع لكون دفع الضرر أهم من جلب النفع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت