فهرس الكتاب

الصفحة 3128 من 4314

و من هنا يظهر أن المراد بجعل الجنات والقصور له (صلى الله عليه وآله وسلم) جعله في الدنيا على ما يقتضيه مقام المخاصمة ورد قولهم فإن المحصل من السياق أنهم يقترحون عليك كيت وكيت وهم يريدون تعجيزك وتبكيتك وإن ربك قادر على أعظم من ذلك فإن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار إلخ وهي لا محالة في الدنيا وإلا لم ينقطع به الخصام.

وبذلك يتبين فساد ما نقل عن بعضهم أن المراد جنات الآخرة وقصورها وأفسد منه قول آخرين إن المراد جعل جنات تجري من تحتها الأنهار في الدنيا وجعل القصور في الآخرة ، وربما استونس لذلك بأن التعبير في الجنات بقوله:"إن شاء جعل"وهو صيغة ماض مفيدة للتحقق مناسبة للدنيا وفي القصور بقوله:"يجعل"وهو صيغة مستقبل مناسبة للآخرة هذا مع أن الفعل الواقع في حيز الشرط منسلخ عن الزمان ، والاختلاف في التعبير تفنن فيه وتجديد لصورة الكلام والله العالم.

قوله تعالى:"بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا"، إضراب عن طعنهم فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) واعتراضهم عليه بأكل الطعام والمشي في الأسواق بما يتضمن معنى التكذيب أي ما كذبوك وردوا نبوتك لأنك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق فإنما هو كلام منهم صوري بل السبب الأصلي في إنكارهم نبوتك وطعنهم فيك أنهم كذبوا بالساعة وأنكروا المعاد ، ومن المعلوم أن لا وقع للنبوة مع إنكار الساعة ولا معنى للدين والشريعة لو لا المحاسبة والمجازاة.

فالإشارة إلى السبب الأصلي بعد ذكر الاعتراض والاقتراح والجواب هاهنا نظير ما وقع في سورة الإسراء بعد ذكر الاقتراحات ثم الجواب من ذكر السبب الأصلي في قوله:"قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إلا أن قالوا أ بعث الله بشرا رسولا."

وذكر جمع من المفسرين أن قوله:"بل كذبوا بالساعة"حكاية لبعض آخر من أباطيلهم كما حكى بعضا آخر منها متعلقا بالتوحيد والكتاب والرسالة في قوله:"و اتخذوا من دونه آلهة"وقوله:"و قال الذين كفروا إن هذا إلا إفك"إلخ ، وقوله:"و قالوا ما لهذا الرسول يأكل"إلخ.

ثم تشعبوا في نكتة الإضراب ، فذكر بعضهم أن الوجه فيه كون المعاد لا ريب فيه ، وقال بعضهم: إن إنكاره أعظم ، وقال بعضهم: إنه أعجب إلى غير ذلك.

والحق أن السياق لا يساعد عليه فإن السياق المتعرض لطعنهم في الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والجواب عنه لم يتم بعد بشهادة قوله بعد:"و ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق"إلخ ، وما يتلوه من الآيات فلا معنى لاعتراض حكاية تكذيبهم بالساعة بين الآيات الحاكية لتكذيبهم بالرسول والمجيبة عنه ، وهو ظاهر.

وقوله تعالى:"و أعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا"وضع الموصول والصلة مكان الضمير الراجع للدلالة على أن الجزاء بالسعير ثابت في حق كل من كذب بالساعة هم وغيرهم فيه سواء ، وعلى أن سبب إعتاد السعير عليه فيهم تكذيبهم بالساعة.

ووضع الساعة ثانيا موضع ضميرها ليكون أنص وأصرح فهو المناسب لمقام التهديد ، والسعير النار المشتعلة الملتهبة.

قوله تعالى:"إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا"في المفردات ، .

الغيظ أشد غضب إلى أن قال والتغيظ هو إظهار الغيظ ، وقد يكون ذلك مع صوت مسموع كما قال:"سمعوا لها تغيظا وزفيرا"انتهى ، وفيه أيضا: الزفير تردد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه ، انتهى.

والآية تمثل حال النار بالنسبة إليهم إذا برزوا لها يوم الجزاء أنها تشتد إذا ظهروا لها كالأسد يزأر إذا رأى فريسته.

قوله تعالى:"و إذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا""مكانا"منصوب بتقدير في ، والثبور الويل والهلاك.

والتقرين التصفيد بالأغلال والسلاسل وقيل: هو جعلهم مع قرناء الشياطين وهو بعيد من اللفظ.

والمعنى وإذا ألقوا يوم الجزاء في مكان ضيق من النار وهم مصفدون بالأغلال دعوا هنالك ثبورا لا يوصف وهو قولهم: وا ثبوراه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت