قوله تعالى:"لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا"الاستغاثة بالويل والثبور نوع احتيال للتخلص من الشدة وإذ كان اليوم يوم الجزاء فحسب لا ينفع فيه عمل ولا يجدي فيه سبب البتة لم ينفعهم الدعاء بالثبور أصلا ولذا قال تعالى:"لا تدعوا اليوم"إلخ ، فهو كناية عن أن الثبور لا ينفعكم اليوم سواء استقللتم منه أو استكثرتم.
فهو في معنى قوله تعالى:"اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم": الطور: 16 ، وقوله حكاية عنهم:"سواء علينا أ جزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص": إبراهيم: 21.
وقيل: المراد أن عذابكم طويل مؤبد لا ينقطع بثبور واحد بل يحتاج إلى ثبورات كثيرة.
وهو بعيد.
قوله تعالى:"قل أ ذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون - إلى قوله -"مسئولا"الإشارة إلى السعير بما له من الوصف ، أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسألهم أيهما أرجح السعير أم جنة الخلد؟ والسؤال سؤال في أمر بديهي لا يتوقف في جوابه عاقل وهو دائر في المناظرة والمخاصمة يردد الخصم بين أمرين أحدهما بديهي الصحة والآخر بديهي البطلان فيكلف أن يختار أحدهما: فإن اختار الحق فقد اعترف بما كان ينكره ، وإن اختار الباطل افتضح."
وقوله:"أم جنة الخلد"إضافة الجنة إلى الخلد وهو الدوام للدلالة على كونها في نفسها خالدة لا تفنى كما أن قوله بعد:"خالدين"للدلالة على أن أهلها خالدون فيها لا سبيل للفناء إليهم.
وقوله:"وعد المتقون"تقديره وعدها المتقون لأن وعد يتعدى لمفعولين والمتقون مفعول ثان ناب مناب الفاعل.
وقوله:"كانت لهم جزاء ومصيرا"أي جزاء لتقواهم ومنقلبا ينقلبون إليه بما هم متقون كما قال تعالى:"إن المتقين في جنات وعيون إلى أن قال - وما هم منها بمخرجين": الحجر: 48: وهو من الأقضية التي قضاها يوم خلق آدم وأمر الملائكة وإبليس بالسجود له ، ويتعين به جزاء المتقين ومصيرهم كما تقدم في تفسير سورة الحجر.
وقوله:"لهم فيها ما يشاءون خالدين"أي إنهم يملكون فيها بتمليك من الله لهم كل ما تتعلق به مشيتهم ، ولا تتعلق مشيتهم إلا بما يحبونه ويشتهونه على خلاف أهل النار كما قال تعالى فيهم:"و حيل بينهم وبين ما يشتهون": سبأ: 54 ، ولا يحبون ولا يشتهون إلا ما من شأنه أن يتعلق به الحب واقعا وهو الذي يحبه الله لهم وهو ما يستحقونه من الخير والسعادة مما يستكملون به ولا يستضرون به لا هم ولا غيرهم فافهم ذلك.
وبهذا البيان يظهر أن لهم إطلاق المشية يعطون ما شاءوا وأرادوا غير أنهم لا يشاءون إلا ما فيه رضا ربهم ، ويندفع به ما استشكل على الآيات الناطقة بإطلاق المشية كهذه الآية أن لازم إطلاق المشية أن يجوز لهم أن يريدوا بعض المعاصي والقبائح والشنائع واللغو ، وأن يريدوا بعض ما يسوء سائر أهل الجنة ، وأن يريدوا نجاة بعض المخلدين في النار ، وأن يريدوا مقامات الأنبياء والمخلصين من الأولياء ممن هم فوقهم درجة إلى غير ذلك.
كيف؟ وقد قال تعالى:"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي": الفجر: 27 - 30 فهم راضون بما رضي به الله ومرضيون لا يريدون إلا ما يرتضيه فلا يريدون معصية ولا قبيحا ولا شنيعا ولا لغوا ولا كذابا ، ولا يريدون ما لا يرتضيه غيرهم من أهل الجنة ، ولا يريدون ارتفاع العذاب ممن يريد ربهم عذابه ، ولا يشاءون ولا يتمنون مقام من هو أرفع درجة منهم لأن الذي خصهم بها هو ربهم وقد رضوا بما فعل وأحبوا ما أحبه.
وقوله تعالى:"كان على ربك وعدا مسئولا"أي كان هذا الوعد الذي وعده المتقون وعدا على ربك يجب عليه أن يفي به ، وإنما أوجبه هو تعالى على نفسه حيث قضى بذلك أول يوم ، وأخبر عن ذلك بمثل قوله:"و إن للمتقين لحسن مآب جنات عدن - إلى أن قال - هذا ما توعدون ليوم الحساب": ص: 53.
ووجه اتصاف هذا الوعد بكونه مسئولا أن المتقين سألوا ربهم ذلك بلسان حالهم واستعدادهم ، أو سألوه ذلك في دعائم ، أو الملائكة سألوا ذلك كما فيما يحكيه الله عنهم:"ربنا وأدخلهم جنات عدن إلخ": المؤمن: 8 أو جميع هذه الأسئلة.