فهرس الكتاب

الصفحة 3130 من 4314

و ذكر الطبرسي"ره"في الآية أن قوله:"كانت لهم جزاء ومصيرا"حال من ضمير الجنة المقدر في"وعد المتقون"وأن قوله:"لهم فيها ما يشاءون"حال من"المتقون"وهو أقرب إلى الذهن من قول غيره إن الجملتين استينافان في موضع التعليل كالجواب لسؤال مقدر.

قوله تعالى:"و يوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله"إلى آخر الآية ضمائر الجمع الأربعة عائدة إلى الكفار ، والمراد بما يعبدون الملائكة والمعبودون من البشر والأصنام إن كان"ما"أعم من غير أولي العقل ، وإلا فالأصنام فقط.

والمشار إليهم المعنيون بقوله:"عبادي هؤلاء"الكفار ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:"قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء"إلخ ، جواب المعبودين عن قوله:"ء أنتم أضللتم عبادي هؤلاء"إلخ وقد بدءوا بالتسبيح على ما هو من أدب العبودية في موارد يذكر فيها شرك أهل الشرك أو ما يوهم ذلك بوجه.

وقوله:"ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء"أي ما صح وما استقام لنا أن نتجاوزك إلى غيرك فنتخذ من دونك من أولياء وهم الذين عبدونا واتخذونا أولياء من دونك ، وقوله:"و لكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا"البور جمع بائر وهو الهالك وقيل: الفاسد.

لما نفى المعبودون المسئولون عن سبب ضلال عبادهم نسبة الإضلال إلى أنفسهم أخذوا في نسبته إلى الكفار أنفسهم مع بيان السبب الذي أضلهم وهو أنهم كانوا قوما هالكين أو فاسدين وقد متعتهم وآباءهم من أمتعة الحياة الدنيا ونعمها حتى طال عليهم التمتيع امتحانا وابتلاء فتمتعوا منها واشتغلوا بها حتى نسوا الذكر الذي جاءت به الرسل فعدلوا عن التوحيد إلى الشرك.

فكونهم قوما هالكين أو فاسدين بسبب انكبابهم على الدنيا وانهماكهم في الشهوات هو السبب في استغراقهم في التمتع وانصراف هممهم إلى الاشتغال بالأسباب وهو السبب لنسيانهم الذكر والعدول عن التوحيد إلى الشرك.

فتبين بذلك أن قوله:"و كانوا قوما بورا"من تمام الجواب وأما من جعل الجملة اعتراضا تذييليا مقررا لمضمون ما قبله واستفاد منه أن السبب الأصلي في ضلالهم أنهم كانوا بحسب ذواتهم أشقياء هالكين ، وليس ذلك إلا بقضاء حتم منه تعالى في سابق علمه فهو المضل لهم حقيقة ، وإنما نسب إلى أنفسهم أدبا.

ففيه أولا: أنه إفساد لمعنى الآية إذ لا موجب حينئذ لإيراد الاستدراك بقوله:"و لكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر"لكونه فضلا لا حاجة إليه.

وثانيا: أن نسبة البوار والشقاء إلى ذوات الأشياء ينافي ما أطبق عليه العقلاء بفطرتهم من تأثير التعليم والتربية ، والحس والتجربة يؤيدان ذلك وهو يناقض القول بالاختيار والجبر معا ، أما مناقضة القول بالاختيار فظاهر ، وأما مناقضة القول بالجبر فلأن الجبري يقصر العلية في الواجب تعالى وينفيه عن غيره ويناقضه نسبة الاقتضاء الضروري إلى ذوات الأشياء وماهياتها.

وثالثا: أن فيه خلطا في معنى القضاء من حيث متعلقه فكون القضاء حتما لا يوجب خروج الفعل الذي تعلق به من الاختيار إلى الإجبار فإن القضاء إنما تعلق بالفعل بحدوده وهو صدوره عن اختيار الفاعل من حيث إنه صادر عن اختياره فتعلقه يوجب تأكد كونه اختياريا لا أنه يزيل عنه وصف الاختيار.

ورابعا: أن قولهم: إن المضل بالحقيقة هو الله وإنما نسبوا الضلال إلى الكفار أنفسهم تأدبا وبمثله صرحوا في نسبة المعاصي والأعمال القبيحة الشنيعة والفجائع الفظيعة إلى فواعلها أنها في عين أنها من أفعاله تعالى إنما تنسب إلى غيره تأدبا كلام متهافت فإن الأدب - كما تقدم تفصيل القول فيه في الجزء السادس من الكتاب - هو الهيئة الحسنة التي ينبغي أن يقع عليها فعل ما ، وبعبارة أخرى ظرافة الفعل ، وإذ كان الحق الصريح في الفعل غير الجميل أنه فعل الله سبحانه ولا يشاركه في فعله غيره بأي وجه فرض كانت نسبته إلى غيره تعالى نسبة باطلة غير حق وكذبا وفرية لا تطابق الواقع فليت شعري أي أدب جميل في إماطة حق صريح وإحياء باطل؟ وأي ظرافة ولطف في الكذب والفرية بإسناد الفعل إلى غير فاعله؟ والله سبحانه أجل من أن يعظم بباطل أو بالستر على بعض أفعاله أو بالكذب والفرية بإسناد بعض ما يفعله إلى غيره ، وإذ كان جميلا لا يفعل إلا الجميل فما معنى التأدب بنفي بعض أفعاله عنه؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت