فهرس الكتاب

الصفحة 3140 من 4314

هذا تقرير اعتراضهم على ما يستفاد من مجموع الاعتراض والجواب.

قوله تعالى:"كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا"الثبات ضد الزوال ، والإثبات والتثبيت بمعنى واحد والفرق بينهما بالدفعة والتدريج ، والفؤاد القلب والمراد به كما مر غير مرة الأمر المدرك من الإنسان وهو نفسه ، والترتيل - كما قالوا - الترسيل والإتيان بالشيء عقيب الشيء ، والتفسير - كما قال الراغب - المبالغة في إظهار المعنى المعقول كما أن الفسر بالفتح فالسكون إظهار المعنى المعقول.

وظاهر السياق أن قوله:"كذلك"متعلق بفعل مقدر يعلله قوله:"لنثبت"ويعطف عليه قوله:"و رتلناه"والتقدير نزلناه أي القرآن كذلك أي نجوما متفرقة لا جملة واحدة لنثبت به فؤادك ، وقول بعضهم: إن"كذلك"من تمام قول الذين كفروا سخيف جدا.

فقوله:"كذلك لنثبت به فؤادك"بيان تام لسبب تنزيل القرآن نجوما متفرقة وبيان ذلك أن تعليم علم من العلوم وخاصة ما كان منها مرتبطا بالعمل بإلقاء المعلم مسائله واحدة بعد واحدة إلى المتعلم حتى تتم فصوله وأبوابه إنما يفيد حصولا ما لصور مسائله عند المتعلم وكونها مذخورة بوجه ما عنده يراجعها عند مسيس الحاجة إليها ، وأما استقرارها في النفس بحيث تنمو النفس عليها وتترتب عليها آثارها المطلوبة منها فيحتاج إلى مسيس الحاجة والإشراف على العمل وحضور وقته.

ففرق بين بين أن يلقي الطبيب المعلم مثلا مسألة طبية إلى متعلم الطب إلقاء فحسب وبين أن يلقيها إليه وعنده مريض مبتلى بما يبحث عنه من الداء وهو يعالجه فيطابق بين ما يقول وما يفعل.

ومن هنا يظهر أن إلقاء أي نظرة علمية عند مسيس الحاجة وحضور وقت العمل إلى من يراد تعليمه وتربيته أثبت في النفس وأوقع في القلب وأشد استقرارا وأكمل رسوخا في الذهن وخاصة في المعارف التي تهدي إليها الفطرة فإن الفطرة إنما تستعد للقبول وتتهيأ للإذعان إذا أحست بالحاجة.

ثم إن المعارف التي تتضمنها الدعوة الإسلامية الناطق بها القرآن إنما هي شرائع وأحكام عملية وقوانين فردية واجتماعية تسعد الحياة الإنسانية مبنية على الأخلاق الفاضلة المرتبطة بالمعارف الكلية الإلهية التي تنتهي بالتحليل إلى التوحيد كما أن التوحيد ينتهي بالتركيب إليها ثم إلى الأخلاق والأحكام العملية.

فأحسن التعليم وأكمل التربية أن تلقى هذه المعارف العالية بالتدريج موزعة على الحوادث الواقعة المتضمنة لمساس أنواع الحاجات مبينة لما يرتبط بها من الاعتقاد الحق والخلق الفاضل والحكم العملي المشروع مع ما يتعلق بها من أسباب الاعتبار والاتعاظ بين قصص الماضين وعاقبة أمر المسرفين وعتو الطاغين والمستكبرين.

وهذه سبيل البيانات القرآنية المودعة في آياته النازلة كما قال تعالى:"و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا": إسراء: ، 106 وهذا هو المراد بقوله تعالى:"كذلك لنثبت به فؤادك"والله أعلم.

نعم يبقى عليه شيء وهو أن تفرق أجزاء التعليم وإلقاءها إلى المتعلم على التمهل والتؤدة يفسد غرض التعليم لانقطاع أثر السابق إلى أن يلحق به اللاحق وسقوط الهمة والعزيمة عن ضبط المطالب ففي اتصال أجزاء العلم الواحد بعضها ببعض إمدادا للذهن وتهيئة للفهم على التفقه والضبط لا يحصل بدونه البتة.

وقد أجاب تعالى عنه بقوله:"و رتلناه ترتيلا"فمعناه على ما يعطيه السياق أن هذه التعليمات على نزولها نجوما متفرقة عقبنا بعضها ببعض ونزلنا بعضها إثر بعض بحيث لا تبطل الروابط ولا تنقطع آثار الأبعاض فلا يفسد بذلك غرض التعليم بل هي سور وآيات نازلة بعضها إثر بعض مترتبة مرتلة.

على أن هناك أمرا آخر وهو أن القرآن كتاب بيان واحتجاج يحتج على المؤالف والمخالف فيما أشكل عليهم أو استشكلوه على الحق والحقيقة بالتشكيك والاعتراض ، ويبين لهم ما التبس عليهم أمره من المعارف والحكم الواقعة في الملل والأديان السابقة وما فسرها به علماؤهم بتحريف الكلم عن مواضعه كما يظهر بقياس ما كان يعتقده الوثنيون في الله تعالى والملائكة والجن وقديسي البشر وما وقع في العهدين من أخبار الأنبياء وما بثوه من معارف المبدإ والمعاد ، إلى ما بينه القرآن في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت